الخميس - 05 أغسطس 2021
الخميس - 05 أغسطس 2021

تحت شجرة الحكاية

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
تأكدت بعد 40 سنة من حرفة الكتابة أن القارئ ليس كياناً إضافياً، وليس تكملة لمشهد يصنعه الكاتب، فهو فاعلية حقيقية كيفما كانت ردة فعله.

والكتاب ليس أكثر من مساحة نور مشتركة ليتذكر القارئ والكاتب معاً، كم أن العالم الذي يعيشانه معقد وجميل، عالم يعيشنا ويُصنع بعيداً عنا وفي غيابنا القسري، لنا كل الحق الإنساني فيه.

لسنا العجلة الخامسة التي لا تستعمل إلا عند الحاجة، نحن نحب الحياة أيضاً مع قرائنا، ونحب الرقص والحدائق والأسفار، لو فقط نجد من يذكّرنا في غمرة الرماد، بأن الحياة لا تزال جميلة وتستحق أن تعاش.

الرواية لا تربي اليأس حتى وهي في عمقه، تفتح الحياة على أخطر سؤال: ماذا نفعل في هذه الدنيا؟ هل خلقنا لنكْبُر قليلاً وننتظر الموت بعدها؟ بينما الحياة تشرع الأبواب المغلقة في أوجهنا، على الممكن الذي تغطيه أكوام الغبار والرماد والخطابات الرسمية الزائفة، الكتابة استراحة تحت شجرة الحكاية نغمض أعيننا أحياناً لنحس بها تتحرك فينا كالجنين.

دهشة تصيبني إلى درجة الدوار، كلما عثرت على ما ينجزه القراء من روح ما نكتب، صور تجسد رحلة عشقية سيدتها اللغة الهشاشة والحكاية الخفية.

هل للكتابة كل هذا السحر في نفوسهم حتى تدفع بهم مجموعة حروف هاربة وغامضة أحياناً، إلى تكوين صداقة مع شخص كثيراً ما يصنعونه هم أنفسهم من حنينهم ورؤاهم وأحلامهم، وتعطشهم لشوق وحدهم يحسونه بتلك الطريقة وليس بغيرها، بل أكثر من ذلك؟

كثيراً ما تلقوا الضرب من الأخ الكبير، البنات على وجه التحديد، بسبب رواية يحملنها في أيديهن، لأنها تنكس رايات الشرف الكاذب والأخلاق التي لا يتذكرها سدنتها إلا في الكتابة والفنون، وينسونها في حياتهم اليومية وفيما يشاهدونه من خلاعة، يتبادلونها سراً في الهواتف الذكية، هؤلاء القراء والقارئات، أدخلوني بلا موانع إلى بيوتهم، شربت معهم قهوتهم الصباحية، وعرفت بعض أسرارهم الصغيرة، عرفت لون ألبستهم التي يشتهون، وشممت عطر أسرتهم الضيقة أو الواسعة، عانقتهم عبر كتاب، في الليالي الباردة أو ساعات اليأس الذي لا يبقي أي مسافة نحو الحياة.

وبسبب كتاب أنشأت برفقتهم صداقة كبيرة، وحياة لم نخطط لها من قبل، أينما كنتم.. في قلبي أو خارجه، أينما كانت أنفاسكم الطيبة تحت التراب أو فوقه، فقد فقدت في السنوات الأخيرة عدداً كبيراً من الذين قادتنا الكتابة وقسوة الحياة، إلى أن ننام سوياً تحت شجرة الحكاية ونهرب قليلاً نحو مسالك اللغة التي لم يرتدها أحد لا قبلنا ولا بعدنا، أينما كنتم، من الذين التقيت بهم في الخلوة أو في الأمكنة العامة، ومن لم يُكتب لي أن ألتقي بهم و ما أزال أمنِّي النفس برؤيتهم من شدة إعجابي بحكاياتهم عن حكايتي، أنحني لهذا السحر الذي يصنعونه لي كل يوم بمحبتهم وجهودهم وتضحياتهم وحنينهم الغامر.. سلام لكم جميعاً، هنا في مساحة الشوق والورق وعطر الحبر، حيث لا سلطان يدركنا إلا سلطان اللغة البهي.
#بلا_حدود