الاحد - 29 نوفمبر 2020
الاحد - 29 نوفمبر 2020

فائدة «التعليم المسائي»

سارة المرزوقي
باحثة دكتوراه إماراتية في قيادة المؤسسات التعليمية، حاصلة على ماجستير الآداب في الاتصال، مارست العمل في الصحافة وقدّمت عدة برامج تلفزيونية، لها خبرة مهنية في المؤسسات الثقافية والتعليمية منذ عام 2006.
لعلّي كنت في السادسة حين حضرت إحدى حصص الثانوية العامة لطالبات تعليم الكبار (أو المسائي) برفقة أمي، التي كانت مجتهدة وعازمة على إكمال تعليمها رغم مسؤوليات الأسرة والأبناء في سن صغيرة.. كنتُ الطفلة الوحيدة في فصل جميع من فيه سيدات، يستمعن إلى المعلمة التي كانت تُعطي درساً في الرياضيات.

لم يبدُ من الحاضرات إلا الوقار الجميل، وهنّ يستمعن باهتمام بالغ إلى شرح المعلّمة، التي لم أفهم بالطبع كلمة واحدة مما تقول! فأخذت أحدّق بعناصر هذا المشهد بصمت، وانتبهت إلى أن بعض الطالبات، كنّ يتناولن أقلامهن بين الحين والآخر، لتدوين الملاحظات في كتبهن المدرسية.

كنت أعرف أني في مكانٍ ليس لي، فلا شيء يربطني به سوى أمي، التي دفعت إليّ بكراسة فارغة كي أتسلّى بها إلى حين انتهاء الدرس. فقررت الانتماء إلى المشهد، وأخذت أمرّر القلم على الصفحات بطريقة عشوائية، وأتظاهر بأني أتابع، كباقي الطالبات، شرح المعلمة بتركيزٍ مُفتعَل، على السبورة حيناً، وكرّاستي التي تقوم مقام الكتاب المدرسي حيناً آخر. فهمست لي أمي مبتسمة: حاولي رسم أشكالٍ مكتملة!


وأدركت أني أهدرت الوقت والأوراق البيضاء في سبيل هدفٍ لم أكن لأناله، فكانت محاولتي للاندماج في محيط لا يناسبني فاشلة منذ البدء، ولو أني قضيت الوقت لرسم ما تجيد أناملي الصغيرة رسمه بعيداً عن تأثير المحيط، لخرجتُ بشيء أجمل.

لم أنقطع عن حضور الدروس التعليمية إلى لحظة كتابتي هذه الكلمات. بيد أني أدركتُ أننا، حين نكبر، قد لا نزال نقع في خطأ الاندماج بمحيطٍ أو أفراد غير مناسبين، وقد نحاول رسم خطوط ليست بذات أهمية، عوضاً عن الانشغال برسم لوحاتنا الخاصة، التي ستحمل بصمتنا وتُرضينا.
#بلا_حدود