الاثنين - 18 يناير 2021
الاثنين - 18 يناير 2021

رقصة الملكة

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

في المسلسل التلفزيوني «كراون» الذي تعرضه «نتفليكس» نتابع حياة «إليزابيث الثانية» ملكة بريطانيا منذ طفولتها وتسلمها العرش، بعد وفاة والدها جورج السادس.. امرأة فاتنة ودافئة محكومة بالعيش داخل حدود البروتوكول الملكي، تقضي يومها ولعقود طويلة بطريقة آلية مكررة حدّ الملل، وتختلف عن تلك الحياة الفوضوية الصاخبة التي اختارتها أختها مارغريت المتهورة.

ممنوع على الملكة أن تضحك بصوت مرتفع، وليس من حقها إظهار مشاعر الحزن العميقة أمام الفضاء العام، وكذلك، فهي تجلس وتتحرك، وتنظر إلى العالم، وتأكل وتصافح وتودع وتصمت وتبتسم وتقطب حاجبيها وفق نظام صارم من العلامات والإيماءات، كما ترسم المسافات الواضحة بين حياتها الخاصة وظهورها الرسمي.

وبهذا الهدوء القاسي تقاوم تقلبات السياسة، وفضائح القصر، وتردِّي الاقتصاد، وتربية الأولاد، وضبط حركة زوجها ونزقه الطفولي.

في مسيرتها الطويلة رقصت مرة واحدة، وكانت مع كوامي نكروما رئيس غانا التي استقلت عن التاج الملكي.. رقصت معه أمام الكاميرات رقصة وصفت بالدبلوماسية، لكي تفوت الفرصة على «السوفييت» من استمالة إفريقيا نحو المعسكر الاشتراكي.

الملكة تعرف أن حياتها ليست حياتها، فهي تعيش من أجل بقاء العرش الملكي يمارس سطوته الرمزية على المجتمع البريطاني، وهذه السطوة تتكرس بحماية التقاليد.

حتى مع التبدلات التي حصلت في العالم، وتغير الكثير من سلوكيات البريطانيين، كما تغيرت لديهم أهمية العرش، لكن إليزابيث بقيت هي نفسها، ملكة حريصة على القيم العامة، تدرك تماماً أنها تحرس السقف العالي للأخلاق، وإذا ما انهار هذا السقف يفقد الفرد البريطاني البوصلة التي تضبط اتجاه قيمه الاجتماعية ويفقد معها شيئاً من «بريطانيته».

والشعوب التي ليس لديها نموذجها الذي يتربع فوق هرم أخلاقها وسلوكها تتصرف بلا موجه اجتماعي.. فكيف نعرف الخطأ من الصواب إذا غابت القواعد العامة؟

إليزابيث الطيبة كرست أعوامها الـ90 من أجل هذه القيمة المثالية، لقد ضحت بالكثير من مزاجها كامرأة، ليس من أجل بريق وهالة التاج الملكي فحسب، وإنما من أجل ما يمثله من مجموعة قواعد صارمة يجب أن تبقى.

في أي مكان من العالم، يلتقي أمريكي وبريطاني لا نستطيع التمييز بينهما بسهولة ليس من خلال «الأكسنت» فقط، بل من الملبس وطريقة التعامل الوقور الذي يبديه الأخير أمامنا.. ففي روح كل بريطاني هناك «إليزابيث» تحرس هويته، فإليزابيث ليست مجرد ملكة.. إليزابيث هوية.

#بلا_حدود