الخميس - 04 مارس 2021
Header Logo
الخميس - 04 مارس 2021

كنز المدينة الأليفة

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

في أغسطس عام 2018 دعيتُ لحضور مهرجان الكتاب في أدنبرة -اسكوتلندا.. وصلتُ المطار -كان الجو بارداً بالشكل الذي لا أستطيع أن أطيقه- وحسب الخريطة التي أحملها جررت حقيبتي في الشوارع المتعرجة حتى الفندق، الذي كان عبارة عن مبنى أثري يحمل طابع القرن الـ17 مع بعض التجديدات الطفيفة.

غرفتي مليئة بالكتب القديمة واللوحات الباروكية، بالإضافة إلى جهاز هاتف أرضي أحمر قديم.. سحبت الخيط المتدلي من اللمبة المغبرة في السقف فاشتغل الضوء الخافت، ركنت أشيائي على استعجال ولبست معطفاً إضافياً، وخرجت أستكشف المكان من حولي.

من بعيد، شاهدت أمامي قلعة أدنبرة الأثرية، وبدل أن أتخذ الطريق الذي يُؤدِّي إليها، نزلت حيث حديقة مسيجة ملفوفة بالضباب.. عرفت حينها أنها مقبرة لكني كنتُ مأخوذة بسحرية المكان فأكملت جولتي، لأقف أمام قبر لسيدة متوفية عام 1778، جلست أمام اللوح بلا حراك حتى حان موعد إغلاق المقبرة، ثم عدت إلى الفندق منهكة.. نمت ليلتي، بينما تمرجحت اللمبة المغبرّة من فوقي.

صباحاً، ذهبت قبل موعد ندوتي الأولى إلى مكتبة قريبة، واشتريت كتاباً يتحدث عن تاريخ أدنبرة، وكوباً من القهوة، ثم توجهت نحو حديقة مجاورة.. تمددت تحت الشجرة وبدأت بالقراءة.

كانت الشمس دافئة ومنعشة، فجأة حطت إلى جانبي حمامة، ثم تجرأت وجلست على كتفي.. تسمَّرت في مكاني تاركة لها فرصة التعرف عليّ كشخص غريب في المدينة، وفي أقل من دقيقة صفقت الحمامة جناحيها وطارت بعيداً.

من ألفة هذه الحمامة والفضاء العاطفي من حولي، تعلقت بهذه المدينة.. قرأت لمحة خاطفة عن تاريخها، ثم ذهبت لألقي محاضرتي التي كانت من أجمل الندوات في حياتي.. بعد انتهاء الندوة وبرفقة شابتين عراقيتين تدرسان هناك، ذهبت إلى القلعة وصرت أتحدث عنها كمرشدة سياحية.

قلت في نفسي: إن هذه المدينة هي محبوبتي، وعرفت أنها ستحبني بهذا القدر أيضاً، حتى ربحت في نهاية العام جائزة أدنبرة للرواية، وكانت مفاجأة من العيار الثقيل.

أؤمن وبشكل شخصي أن للأمكنة أرواح تستقيم عليها، مصنوعة من طاقة الحكايات، تحبك بقدر حبها لك، وتمنحك ما تمنيته طيلة حياتك، وهذه «الألفة» المكانية -التي كتب عنها «باشلار» في كتابه «جماليات المكان»- وحدها التي تستطيع أن تتدخل في تشكل شخصيتك، وتشارك في طريقة صناعتك لحياتك.. فكل ما يتم في وعينا هو حقيقة خاصة بنا فقط، يشكله غالباً وعينا الأول بالأشياء، ومن ثم يتحول إلى حقيقة راسخة تتحقق في الحياة.

المدن هي مغارة الكنوز التي نقرر نحن ماذا تمنحنا أو ماذا تأخذ منا على حدٍ سواء.

#بلا_حدود