السبت - 06 مارس 2021
Header Logo
السبت - 06 مارس 2021

الرواية.. والجهاز المتخفّي

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
هل صحيح أن وراء كل عمل فني ناجح وعالمي جهازاً متخفياً يتحكم في الشهرة؟ الأمر لا يتعلق بنظرية المؤامرة، ولكنه حقيقة ماثلة.

النقد العربي واقع تحت مقولات النقد العالمي في مجال الدعاية للروايات مثلاً، أي إن ما يراه الآخر جميلاً ومثيراً لا بد أن يكون كذلك، في غياب كلي للنقد.

ينصب نقدنا الإعلامي في الأغلب الأعم، وحتى الأكاديمي الجامعي على طرائق الترويج ذاتها، وينسى أن وراء ذلك آلة خطيرة تحتاج إلى تفكيك ومعرفة، وإلى إعادة قراءة بعيوننا وليس بعيون الآخر، فهي ليست صائبة دائماً في أحكامها.


يوجهنا هذا النوع من النقد، ومن ورائه الآلة المتخفية، إلى قوة النص الاستثنائية التي لا يراها إلا هو، ويمجِّدها إلى أقصى الحدود، زارعاً في ذوقنا شكّاً كبيراً، لأننا، بكل موضوعية، لا نجد ما يبشر به هذا النقد الواقع في حالة اغتراب كلية، إذْ تحول إلى حلقة صغيرة في مشروع ترويجي أكبر منه، يحول النص الروائي إلى ظاهرة نموذجية للقراءة، ونمط ثقافيّ، وصار من المخجل، في الدوائر نصف المثقفة والمهيمنة على المشهد الثقافي العربي، أن تقول إنك لم تقرأ مثلاً شيفرة دافنشي، وإنك لا تعرف مغامرة روبر لونغدن الخارقة وقوة بصيرته وذكائه الكبير، ولا متاعب وظروف اغتيال محافظ متحف اللوفر، جاك سونيير الذي كان يملك سر الشيفرة التي خطها بدمه قبل أن يندثر، ولا جنون الألبينوس الضخم سيلاس وجرائمه حفاظاً على استمرار سر مريم المجدلية، ولا الفتاة الأنيقة الحاملة لكل الأسرار المبهمة صوفي نوفو، من سلالة سيدنا المسيح السرية والمبهمة، وغيرهم ممن يؤثثون نقاشاتنا ومفاخرنا الثقافية!

ما السحر في نص هو في النهاية، على الرغم من حنكته التقنية، لا يتعدى أن يكون نصاً بوليسياً بكل العناصر التي يفترضها هذا النوع من الكتابة؟ وكيف خرج هذا النص من كومة الروايات العالمية التي صدرت في السنوات الأخيرة وتفرد عنها؟ وما الانزلاقات التي حدثت؟ وفي أية لحظة حصلت، ليخرج الكتاب من النظام الثقافي العام الذي يشهد نشر كمّ من الروايات، فيباع بأعداد مذهلة (حوالي 70 مليون نسخة) ويترجم إلى لغات العالم كلها؟ لسنا هنا بصدد الحكم القيمي على أعمال لم يعد المنطق السائد كافياً لفهمها، ولكن محاولة فهم الظاهرة التي تتخفى وراء ما يسمى بالعالمية.

كل ما قاله دان براون مثلاً، قاله قبله بعشرات السنين، نيكوس كزانتزاكي في روايته: «غواية المسيح الأخيرة»، وقاله بطريقة مماثلة وأفضل، من حيث المضمون، فما الذي جعل نص دان براون يشق طريق القراء بشكل مذهل؟ هل هو جانب الرواية الشعبي، أم الظرفية السياسية والاجتماعية؟

الأمر لا يتعلق بجودة كتابية، ولكن بشيء آخر قد يكون الكاتب نفسه خارجه، ولا يعرف صيرورته، فالقيمة التي يفرضها علينا الإعلام المروّج، ليست هي القيمة الإنسانية المتوخاة أبداً، ومن الصعب تفادي السؤال الخفي: من يصنع الشهرة، النص بأدواته الفنية؟ الجهاز أم النظام الإعلامي الشمولي؟
#بلا_حدود