السبت - 17 أبريل 2021
السبت - 17 أبريل 2021

تهشّم صورة الأنا

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

في إحدى الأمسيات التي شعرت فيها بالضجر، حملت كتابي، ونزلت أهيم على وجهي في الشارع، وعند الجهة الموازية، لمحت مقهى فغيرت طريقي باتجاهه.

جلست على المقعد، وانغمست مرة أخرى بقراءة الرواية المأساوية التي كانت بين يديّ، ثم بدأت من شدة تأثري بنوع من البكاء الذي يختنق في الحنجرة، وهو بلا شك المنظر الوحيد الذي لا أحب أن يراني فيه أحد.

اقترب منّي النادل، يدقق في وجهي ويسألني طلبي.. بعد مرور ثوان قليلة، عادَ مرة أخرى، وتردد قليلاً كأنه نسي أن يقول شيئاً ما، ثم ما لبث أن وجه لي سؤالاً مباغتاً:

ــ هل تعرفين كاتبة تدعى شهد الراوي.. هذا لأنكِ كثيرة الشبه بها وتحملين كتاباً؟!.

تجمدت في مكاني لأول وهلة ثم أجبت بابتسامة باردة:

ــ نعم أعتقد أني أعرفها لكني لا أشبهها!.

بدا النادل أكثر فضولاً من ذي قبل وأشد جرأة:

ــ بل أراك تشبهينها إلى الحد الذي لا تخطئه العين.. أنا أحب كتاباتها!.

التمعت في رأسي فكرة مشاكسة، فقلت له:

ــ اسمع، إن كنتَ تراها كاتبة جيدة، فأنا لا أجدها كذلك!.

وشيئاً فشيئاً بدأت أتحدث عن نفسي وكأني شخصٌ آخر يقف بمواجهة عنيفة مع تجربته بالكتابة، ويشهر كل ما لديه من أسلحة لتهشيم الصورة التي احتفظت بها عن نفسي طوال السنوات الماضية والتي، فجأة، انتبهت إلى أنها لم تعد تشير إليّ.

تغضن وجه النادل الذي بدا أنه يحب بالفعل ما يقرأه لي، أو هكذا أراد لملامحه أن تظهر، ثم اعتذر وانسحب بهدوء.

شعرت عندها بحالة غريبة، وكأن ضربة من القدر شطرتني إلى نصفين، وتحرر صوت مكبوت من داخلي لم أصغ له في السابق.. صوت يرتفع بين الطبقات النفسية بسرعة هائلة مثل هواء محبوس في بالون: هذه أنا الأخرى، الأنا الكاملة التي لا تزال تنتظر تجربة الاصطدام بكل احتمالاتها على دفعاتٍ متفاوتة.. الأنا التي تغضب حينَ يتم اختصارها ببعض التجارب والإنجازات الخجولة.

هذه الأنا التي تنتمي إلى المستقبل، وتغور عميقاً في ذاتها وتعرف جيداً أنها أكثر حضوراً من فترة زمنية تخللتها بعض الاحتفالات.. الأنا التي هي أشد عداوة على نفسها من أعدائها حينَ يتعلق الأمر بتحجيم مسافاتها المقبلة التي لم تخط على أرصفتها بعد، لأنها تدرك جيداً أن الأعداء هم في الواقع دفعة القدر الخفية والوحيدة التي من شأنها أن تورطها بالتقدم إلى الأمام.

لقد أيقظني ذلك النادل من غفلة تصالحي مع ما أنا عليه، لقد أيقظ حروبي المؤجلة مع ذاتي.

#بلا_حدود