الجمعة - 14 مايو 2021
الجمعة - 14 مايو 2021

قل للمليحة: أين الريموت كونترول؟

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

يُقال إن أول إعلان ظهر للوجود كان في الصين، وذلك في القرن الـ11 قبل الميلاد، وجاء ذلك الإعلان بطريقة شعرية، تروج لأحد منتجات الحلويات من ذلك الزمن.

وأول إعلان عربي، وربما هو الثاني بعد الصيني كان إعلاناً شعريّاً أيضاً، وأغلبنا يعرف قصة الشاعر مسكين الدارمي، الذي عاش متنقلاً بين مكة والمدينة، وصادف في أحد المواسم صديقاً عراقيّاً يعمل تاجراً في مجال الخُمر (أغطية الرأس للنساء).

كان هذا التاجر قد باع كل الألوان التي حملها معه، لكن اللون الأسود بقي معه دون أن تبدي نساء المدينة رغبتهن فيه، فتطوّع الشاعر وكتب له الآتي:

قل للمليحة في الخمار الأسود

ماذا فعلت بناسك متعبد

قد كان شمّر للصلاة ثيابه

حتى قعدت له بباب المسجد

ثم أَوْكل مهمة ترويج أبياته لاثنين من المغنين المعروفين.. المهم، بيعت كل بضاعة التاجر العراقي وعاد إلى بلده دون أن يدفع فلساً لصديقه الدارمي.

نسي الناس الإعلان الصيني، وبقي الإعلان العربي يتردّد في الأصداء بعد أن فقد وظيفته الترويجية، وصار رمزاً لجمالية اللون الأسود مع قوام المرأة.

تطور فن الإعلان عبر التاريخ تدريجيّاً، ولكن مع النظام الرأسمالي الذي يهيمن على منطق عالمنا اليوم، انطلق بسرعة صاروخية وأصبح يدرس كفن وعلم في الجامعات المرموقة، وأخذت كبريات الشركات العالمية تتصيد الموهوبين في هذا الحقل الذي تبلغ عائداته المليارات، ودخل نجوم الغناء والسينما هذه الصناعة، حتى إن رئيس الاتحاد السوفييتي السابق، ميخائيل غورباتشوف وجد فرصة للعمل في هذا المجال حين ظهر في إعلان شهير للبيتزا هت.

في هذه الأيام المباركة، ومع تزاحم البرامج والمسلسلات الدرامية، التي تصوم سنة كاملة لتفطر دفعة واحدة في شهر رمضان، تقتحم حياتنا بقوة وخلفها يختبئ سيل من الإعلانات التي تتدفق بلا رحمة، فواصل إعلانية تتجاوز وقت الدراما نفسها، وتسبب الإزعاج المتواصل، والمشكلة الأكبر أن أغلبها تنفذ بطريقة بدائية ساذجة، تخلو من الابتكار والجمال واللمسة الفنية الخفيفة.

التلفزيونات تشتري الدراما التي لم تتطور، ولم تتعلم من ثورة «النتفلكس» على سبيل المثال، وتبيع وقتنا للشركات رغماً عنا.

نعم، إن المشاهد العربي المسكين بلا حيلة، وليس بإمكانه الهروب من كوكب الإعلانات، ولكن احترموا عقله قليلاً، وقدموا له إعلاناً مشوقاً، وليس شيئاً مملاً يبحث معه عن الريموت كنترول.

.

#بلا_حدود