الاثنين - 02 أغسطس 2021
الاثنين - 02 أغسطس 2021

«التعليم.. الذي يسلبنا طاقة الخيال»

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

لطالما كنت مولعة بطفولتي، وهذا هو السر في الرومانسية التي أحاكي فيها الكثير من المواضيع التي تخص تلك المرحلة من الحياة، لذلك كنت أكتب بعاطفة عن فكرة المدرسة، وبالرغم من ذلك، فأنا بحاجة إلى أن أقف في مكاشفة واضحة وصريحة مع المؤسسة التعليمية التي عانينا منها ولا نزال.. تلك المؤسسة السلطوية في طبيعتها، والتي هي بالضبط ما لا يحتاجه الإنسان في أولى مراحل نشأته.

أتذكر السنوات التي سبقت دخولي إلى المدرسة، كنتُ حرة، ألعب وألعب تحت شموس بغداد.. أندفع بكل طاقتي للحياة، حتى دخلت المؤسسة التي تقيس فكرة وجودك من عدد الأخطاء التي ترتكبها، وأنتَ تخضع إلى تهديد شهري لتقييم مستواك، ما يجعلك تتوهم بأنه يؤشر إلى قيمتك الحقيقية، ومن ثمَّ يُصنفك بين أقرانك حسب منهاج متحجر تخضع فيه إلى التعلم من أجل التعلم، لا من أجل الحياة.

كنا نخفُّ إلى المدرسة محملين بالهموم والمخاوف، فالمطلوب منا هو الرزانة المفتعلة، حيث لا يسألك أحد عن الذي تحب أن تتعلمه، ولا النشاطات التي تشعر أنت بضرورة القيام بها.

المعلمون ليسوا مسؤولين عن هذا.. إنما هي المكانة التي تضعهم مع الطلاب على حدٍ سواء فيما يشبه الثكنة العسكرية.

التعاليم الصارمة التي حدت من مرونتنا في القدرة على الخيال، وجعلت منا أفراداً منكفئين على أنفسهم، نقيس الأمور بأطرها الضيقة، ولا نملك القدرة على التلصص نحو الخارج، إلى تلك المساحة الرحبة من المعارف والأنماط التي لا حصر لها من طرق التعلم.

يصف الكاتب النمساوي «ستيفان سڤايج» المؤسسة التعليمية الرتيبة في زمنه، والتي لا تختلف عن تلك الموجودة في زمننا: «كانوا يجلسون إلى مناضد أعلى من مقاعدنا، ويسألون وعلينا أن نجيب، فما بين المعلم والتلميذ، ومنضدة المعلم ومقعد الطالب، يقف حاجز «السلطة» الذي يعتبر التلميذ فرداً غير قادر على تجاوز سلطة المعلم فقط، بل قدراته أيضاً».

هذا المشهد الذي يفسر لنا كل شيء، عبوديتنا الخالصة لكذبة قدراتنا المحدودة، والخضوع الحتمي للأيديولوجيات المتوارثة، والأفكار البالية التي نسلم بها دونما محاججة.

تفاقم الأمر في الآونة الأخيرة، الآن، إلى إخضاع الطلاب لمزاج المؤسسة في تحديد أوقات عشوائية لامتحانات تحدد مصيرهم وإلى الأبد.

الميزة في هذا الجيل، هي تواجدهم في العالم الحديث والمفتوح على كل الاحتمالات، سهولة الوصول إلى المعارف والمعلومات، تغنيهم عن الانهماك في مناهج بالية تنفر من الشباب ولا تثق بهم، والتي تؤدي في النهاية إلى انعدام ثقة متبادل لا رجعة فيه.

#بلا_حدود