الخميس - 29 يوليو 2021
الخميس - 29 يوليو 2021

غرفة خلف الدكان

عبد الرحمن النقبي
كاتب وباحث مهتم بالشأن الاجتماعي والسياسي، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال.
خُلوة الإنسان بنفسه، مفكراً كان أو غيره، ربما تكون من أكثر اللحظات دفئاً ومجلبة للسعادة، وكثيراً ما يتغنى بمثل هذه الخلوة الأدباء والكتّاب، حيث تُبعدهم عن جميع ما يُنغّص عليهم راحتهم وصفو تفكيرهم، ويجدون فيها فرصة مواتية لمراجعة النفس.

هذا المكان الخاص الذي يختلي فيه الإنسان بنفسه أطلق عليه الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين مصطلح «غرفة خلف الدكّان»، وفي هذا السياق يقول مونتين: ينبغي أن نحتفظ بغرفة خلف الدكّان تكون ملكنا وحدنا، نكون فيها أحراراً تماماً في إقامة حريتنا الحقيقية والمكان الأساسي الذي نتفرّد بأنفسنا ونمارس وحدتنا.

الخلوة المقصودة هنا هدفها في المقام الأول تجنّب حدوث أذى شديد له وهو بمثابة «حريته الحقيقية» ليمارس فيها التفكّر والتأمّل داخل نفسه، ولا تعني الابتعاد أو الانعزال عن زوجته وعائلته والتهرّب من مسؤوليته تجاههم.

الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف، والتي اشتهرت بدفاعها عن الإنسانية وحقوق المرأة، هي أيضاً من أنصار العزلة والخلوة مع النفس، وقامت بإعطاء مكان الخلوة مسمّى «غرفة تخص المرء وحده» وهو عنوان لأحد كتبها، ولو أنه كان موجهاً بشكل أكبر للنساء، ففي هذا الكتاب تذكر وولف أن المرأة في بريطانيا حتى القرن التاسع عشر لم تكن لها حرية الخلوة مع نفسها وكانت مُجبرة على الجلوس مع جميع أفراد عائلتها في غرفة جلوس مشتركة، وهو الأمر الذي يمنعها من الكتابة إلى حد كبير، وهي هنا تطالب النساء بأن يوجدن خلوة لأنفسهن ومصدر دخل لهن.

خلاصة القول هي: إن خلوة الإنسان مع نفسه ليست ترفاً وإنما هي مطلب ضروري لمراجعة النفس وتنقيتها وتدوين الأفكار.
#بلا_حدود