الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

«محمد سبيلا».. الإنسان والمفكر

وفاء صندي
كاتبة سياسية مغربية، باحثة في قضايا التطرف والإرهاب، حاصلة على الماجستير في القانون الدولي، استشارية لدى الأمم المتحدة، لها مقالات منتظمة في جريدة الأهرام المصرية، صدر لها 3 كتب فكرية والعديد من الأبحاث.

ورقة أخرى تسقط من شجرة ثقافتنا العربية، بعد أن غادرنا، قبل أيام، الفيلسوف والمفكر«محمد سبيلا» متأثراً بإصابته بفيروس كوفيد-19.

كنت قد التقيت الأستاذ سبيلا أول مرة في 2014 في معرض الدار البيضاء للكتاب، وقد كان شخصاً متواضعاً، كريماً، منصتاً ومشجِّعاً لكاتبة في بداية مسارها.

ومع بداية كورونا، كان سبيلا مهتماً بما يكتب عن الجائحة، وأذكر أنه اتصل بي يوماً ليسألني: إذا ما كنت في المغرب أو القاهرة؟، وإذا ما كانت هناك دراسات مصرية للجائحة من منظور فكري وفلسفي.

ولم نكن نعلم وقتها أن الفيروس سيكون سبباً في إطفاء شمعة كنا نتمنَّى أن تظل موقدة، وتلهم بنور فكرها أجيالاً متتالية من الباحثين في المغرب وخارجه.

بين كتابه الأول «مدارات الحداثة» (1987) وكتابه الأخير "الشرط الحداثي" (2020) أغنى سبيلاً المكتبة العربية بمؤلفات تقرب من التفكير الفلسفي ومفاهيمه، وأفق النقاش الفكري الإنساني.

ومن خلال كتبه «الأصولية والحداثة»، و«دفاعاً عن العقل والحداثة»، و«مخاضات الحداثة» و«الحداثة وما بعد الحداثة» وغيرها، كان سبيلاً واحداً من أبرز المفكرين الذين ناقشوا وفككوا الأسئلة التي تطرحها مسألة الحداثة وما بعد الحداثة على الثقافة العربية.

والحداثة عند سبيلا تندرج في إطار منظور استراتيجي، بوصفها مدخلاً أساسيّاً للتفكير في جوهر المعضلات السياسية والاجتماعية والفكرية، ومساراً يفرض نفسه كطريق لا محيد عنه، لذلك دافع عنها باعتبارها عتبات ودرجات ومستويات عمل، والانطلاق منها ركيزة لتطوير الفكر العربي، وليست شعاراً أيديولوجيّاً يتم توظيفه في الصراع السياسي، وقد كان سبيلاً مدافعاً عن القيم الفكرية والثقافية، التي تدفع في اتجاه تقدم الإنسان فرداً وجماعة.

عن رأيه في التحولات في المجتمعات العربية وردود الفعل العنيفة داخله، يرى سبيلاً أنها ليست سوى تعبير على أن هذه المجتمعات «دخلت في التحديث السياسي والاقتصادي بسرعة أكثر من التحديث الثقافي والفكري».

وعن علاقته بالتراث الإسلامي، فقد كان متشبّعاً به، لكنه كان يعرف كيف يفرق بين الجوانب المضيئة فيه والجوانب المظلمة، الجوانب التقدمية والجوانب الرجعية.

وبالنسبة له كان التراث «سفحان لا سفح واحد»، ويرى: «أنه للأسف لم يتم إحياء الجانب المستنير من التراث العقلاني والتنويري والاجتهادي الموجود في الثقافة العربية، بل على العكس لقد طمسوه وأشاعوا فقط الجانب المظلم المتشدد الداعي للعنف».

بغياب سبيلا سيفقد المشهد الفكري المغربي والعربي أبرز من شغلهم الهم الفكري والتطور الاجتماعي، في الوقت ذاته، وإذْ نحن حزينون على فراقه، فإننا لا نملك سوى الدعاء له بالرحمة والمغفرة.

#بلا_حدود