الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

ذاكرة شاعر من زمن العمالقة

صالح البيضاني
كاتب وصحافي وباحث سياسي يمني، عضو مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وعضو الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، عمل مراسلاً لعدد من الصحف العربية والدولية في اليمن، صدرت له تسع إصدارات أدبية وسياسية.
بعد أكثر من ثمانية عقود من العمر، وعشرات الأعمال الشعرية والنقدية، يقف اليوم شاعر اليمن الكبير وأديبها عبدالعزيز المقالح، على قمة جبل شاهق من التجارب الثرية في الحياة والأدب، متأملاً في زوايا واقع سياسي وثقافي ممزق وسوداوي في بلاده. تغيب عنه روح السلام التي ظل المقالح ينادي بها طوال حياته كأديب وأكاديمي أثرى المشهد الثقافي العربي شعراً ونقداً وسلط الضوء على سيرة اليمن الثقافية.

انحاز المقالح في خضم الصراع المحتدم الذي تشهده بلاده إلى مبادئه وقيمه الإنسانية، التي اختزل كثيراً منها في كتبه وصّور قسماً منها في قصائده التي تغنى فيها بالوطن، وسافر معها في دروب الذكريات التي نقلته في بعض أجوائها للقرية التي استقبلته في أحد أيام عام 1937، حيث امتزجت روحه بمظاهر القرية وطبيعتها وأحداثها المتكررة الجميلة، ولم تغب يوماً عن ذاكرته التي استرجع بعض تفاصيلها الصغيرة ذات يوم في حوار أجريته معه قبل سنوات، وعاد فيها زمناً إلى الوراء إلى حيث «أمطارُ الخريف، ورحلات الجراد» التي كانت تـُعاودُ المنطقةَ بين حين وآخر وصوتُ الكروان وهو يَرُشُّ نغماته الموسيقيةَ العذْبَةَ بعدَ كُلِّ غروب.

وعن ذاكرة الألوان التي ظلت عالقة في مخيلة شاعر اليمن الكبير، ما زالت كل التفاصيل، حتى تلك الصغيرة منها قابعة في مكان ما من ذاكرة المقالح الذي يتنازع حنينه حزنه على واقع مؤلم وذكريات دافئة من الزمن الغابر المليء بالأحزان والألوان والروائح والطعوم، التي يتذكرها قائلاً: «أتذكـَّـرُ الآنَ لونَ القماش الأحمر الذي ألزموني وشقيقي ارتداءَه عندما أصابنا (الجدَري) وكان من الزوار الدائمين للقرية وقد أخذ أجملَ أبنائها وبناتها.. هذا اللونُ الأحمر (لونُ الخطر) اِرتسم في ذهني منذ الطفولة الباكرة.. وجاء تحسُّسي لبقية الألوان بعد ذلك».

نشأ عبدالعزيز المقالح في أسرة ريفية يمنية تعتمد في علاقاتها على العادات والتقاليد اليمنية المتوارثة، ولما كان دور الأب شبه غائب بسبب الاهتمامات السياسية التي غلبت عليه في تلك المرحلة من تاريخ اليمن آلت زمام الأمور في أسرة المقالح إلى جدته التي كان لها الأثر البالغ في تكوين شخصيته والتي كتب عنها ذات مساء:

يذبحني صوتك قادماً مع المساءْ

يسلب من عيني بقايا النور

يمنع السكون والإغفاء

وأنت يا بعيدة المزار

مثل سجينةٍ عمياء

وقفت تصرخين في الظلام:

أعددت يا أبنائي الطعام

ولم تعودوا، عادت الطيور للأوكار

وارتحل النهار.
#بلا_حدود