الأربعاء - 20 أكتوبر 2021
الأربعاء - 20 أكتوبر 2021

«نبية» روسيا العاشقة

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

قبل أن يتم روايته «الجريمة والعقاب» تورط دستويفسكي مع أحد الناشرين الجشعين، الذي جعله يوقع على عقد لتسليم رواية جديدة خلال فترة محددة، إذا لم يفِ الكاتب العظيم بوعده، سيكون من حق هذا الناشر أن ينشر أعماله لمدة 9 سنوات من دون مقابل. ولغرض التخلص من هذه الورطة، لجأ دستويفسكي إلى أن يملي روايته الجديدة على سكرتيرة خاصة وظفها لهذا الغرض، وتلك السكرتيرة الجميلة كانت (آنا سنيتكينا) التي تبلغ الـ20 ربيعاً من عمرها. وكان هو في منتصف الأربعينيات.

قبل يوم من نهاية العقد، أي في فترة أقل من الشهر، أنجز الرواية المتفق عليها، وسلمها إلى قسم الشرطة، لأن الناشر افتعل رحلة خارج المدينة. وبذلك تخلص دستويفسكي من ذلك الالتزام المجحف مع الناشر.

أعجب الكاتب العبققري بسكرتيرته الذكية، ثم تطور إعجابه إلى الحب، لكن كيف يقول لها: أحبك.

لم يجد أمامه سوى الحيلة الروائية كجسر للعبور إلى قلب هذه الحسناء، قال لها: إنني بحاجة إلى جهدك لكتابة روايتي الجديدة، وهي بصراحة، عن مؤلف لم يعد يتمتع بشبابه. ويعاني مشاكل صحية وأخرى مادية وأحب فتاة صغيرة.

لنفرض أن هذا المؤلف هو أنا، وأنت تلك الفتاة وقلت لك: أنا أحبك، وأريد أن أتزوجك كيف تردين على هكذا عرض؟

قالت آنا، وعلى الفور، موافقة بالطبع، فأنا أحبك وسأبقى مخلصة لهذا الحب كل حياتي. فعانقها وأصبحت آنا زوجته التي يعرفها قراء دستويفسكي. ولولا هذه الفتاة الجميلة، لكنا خسرنا الكثير من إبداعات هذا الروائي العظيم، فهي التي نظمت له حياته، وأبعدته عن طاولات القمار، وكتبت له كل ما يميله عليها لمدة 14 سنة من زواجهما حيث توفي زوجها الذي طافت شهرته الآفاق وأصبح (نبي روسيا) كما يطلقون عليه.

في روايتي الأخيرة، وكذلك في الرواية التي أعمل عليها حالياً، ثمة بطلة شابة، بل مراهقة تلتبس مشاعرها نحو أستاذها في الجامعة، ولأن الأستاذ ليس دستويفسكي، ولا يمكنه حتى أن يحلم بكتابة 10 صفحات من «الإخوة كارامازوف» اضطررت لوضع المزيد من المطبات في طريق بطلتيَّ. لأن الأبطال الذين نصنعهم في السرد، هم نحن، كما صرح فلوبير مرة: (إن مدام بوفاري هي أنا).

لذلك قد ننهي حياتهم بطرق مأساوية، أو نعقد عليهم طرائق عيشهم وبالرغم من ذلك فإننا في النهاية نحبهم.

كنت أتمنى أن أبتكر تلك الشخصية العظيمة بمستوى دستويفسكي الذي قال عنه نيتشه: (إن معرفتي به هي أعظم حدث في حياتي)، لكي أترك بطلاتي ينسين فارق العمر، ويقلن له على الفور: موافقة بالطبع، فأنا أحبك وسأبقى مخلصة لهذا الحب كل حياتي.

#بلا_حدود