الجمعة - 03 ديسمبر 2021
الجمعة - 03 ديسمبر 2021

الزمن ليس عدواً للمرأة

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
في مقابلة تلفزيونية مهمة مع واحدة من أجمل وألمع مذيعات التسعينات، سُئلت عن سبب اختفائها من الشاشات وتوقف برامجها التي كانت ذائعة على مستوى الوطن العربي. فأجابت، وبكل وضوح: عمر الإعلامية العربية أمام الشاشة محدود، وينتهي ببروز التجاعيد على وجهها، ومغادرتها سن الشباب.

وفي لقاء جمعني مع مذيعة تلفزيونية سابقة، سألتها لماذا توقفت عن العمل الإعلامي واتجهت للقطاع الخاص. فأجابت: لم أترك الإعلام من تلقاء نفسي، فالتلفزيون استغنى عني بعد أن تجاوزت الأربعين، لأنهم لا يفضلون المذيعات الكبيرات.

فالتعامل مع النخب الإعلامية النسائية بمعيار العمر ليس شائعاً في الغرب وفي كثير من الدول الآسيوية خصوصاً في مجال البرامج السياسية والثقافية. ولذلك نجد العديد من المذيعات الكبيرات اللاتي يزددن نجومية وشهرة مع مرور الوقت مثل أوبرا وينفري ومذيعة قناة الـCNN كريستيان أمانبور، وغيرهن من الأسماء المميزة في الخارطة الإعلامية الغربية.


وهذه النظرة لا تقتصر على الوجوه الإعلامية فقط، بل حتى النساء المبرزات في القيادة والمجال العام يغلب على أكثرهن تخطي سن الخمسين والستين. ولا أدل على ذلك من أول رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فالمحك هو الحكم على كفاءتهن ومهاراتهن التي يستطعن توظيفها في خدمة الصالح العام وفي تحقيق برامج أفضل لتحسين وضع المواطنين. ولم تضطر أغلب تلك القيادات النسائية من الكبيرات سناً إلى اللجوء إلى عمليات التجميل ونحت الجسد التي تدل على سوء تفاهم مع الزمن.

والتعامل مع المرأة الإعلامية، أو غيرها، بمعيار املعر في العالم العربي، مرده النظرة القاصرة إلى المرأة بصفتها وسيلة دعائية جاذبة للبرامج التلفزيونية أو بعض المواقع المهنية. وليس بصفتها ركناً رئيسياً في التخطيط ورسم السياسات وتفعيل الإنتاجية. لذلك نجد هوس التجميل لدى الإعلاميات تحديداً المتمثل في المبالغات المؤذية بصرياً في استخدام مساحيق التجميل والأزياء والإكسسوارات، وفي الانجراف الهائل نحو عمليات التجميل والتنحيف ومحاربة علامات التقدم في العمر بكل مثابرة وشجاعة.

إن أغلب الأزمات النسوية في العالم العربي سببها حصر المرأة في زاوية الشكل سلباً أو إيجاباً. وبمختلف الصور التي قد تعزز وضعها أو تحبسها قسراً في المنزل. وحين تتغير تلك النظرة المجتمعية ستتغير نظرة النساء العربيات لأنفسهن. ويتضاعف اهتمامهن بعقولهن وإنجازاتهن أكثر من هوسهن بالتجميل ومحاربة الزمن، فالزمن ليس عدواً للمرأة، بل إنه أداة إنضاج الخبرة والتجارب وتعتيق الذات، ولكنه قد يستخدم كسلاح ضدها فتضطر لمواجهته وخوض المعارك معه.