الاثنين - 27 يناير 2020
الاثنين - 27 يناير 2020

حياتنا المعاصرة.. وموت الضمير

من أعظم علامات الخير أن يكون للإنسان واعظ من نفسه، فتجده في آخر اليوم محاسباً نفسه على عملها، ويسأل: لِمَ عملت كذا؟، ولِمَ قلت كذا؟، وتلك هي حاله دائماً إلى أن يخرج من الدنيا، لذا يحاول جاهداً أن يستدرك الخلل من نفسه إن قصر في طاعة الله، أو أخطأ في حق الآخرين.

ومن أعظم العقوبات التي تضرب على بعض القلوب: موت الضمير، حيث لا يبالي بعضهم إن ظلم الآخرين أو قصر في حقوق رب العالمين، بل قد تتطور المسألة عنده إلى حالة التلذذ بالظلم والأذية، فيظن أنه قد بلغ قمة الذكاء والشطارة بظلمه للآخرين وأكل حقوقهم.

مثال على ذلك، كأن يقصر الزوج مع زوجته تقصيراً عظيماً ويظلمها ويضربها ويؤذيها ويسيء عشرتها، وقد مات ضميره نهائياً وتناسى أنها قد تستغيث بالله الواحد الأحد، فتدعو عليه لأنها مظلومة بل أحياناً يطلب الزوج الظالم من زوجته أن تدعو عليه ويسخر من دعائها، وهذه من صور قسوة القلب وموت الضمير المنتشرة للأسف الشديد. وبالمقابل، قد تجد في حالة أخرى امرأة تظلم زوجها، وتؤذيه أذية عظيمة ولا تبالي بحقوقه الواجبة عليها، ومهما حاول الزوج نصحها وتذكيرها فالإساءة إليه هي الحاضرة في الحياة الزوجية، ثم تتحدث بين زميلاتها أنها لم تقصر مع زوجها في شيء وقد أعطته حقوقه كاملة غير منقوصة!


ومن صور موت الضمير أيضاً أن تجد الموظف ضارباً بأنظمة العمل عرض الحائط، فلا يبالي بحضور ولا انصراف، ومعاملات الناس قد تكدست على مكتبه وهم ينتظرون منه إنهاءها وهو يحضر متأخراً إلى العمل، ويأخذ وقتاً إلى أن يدخل في أجواء العمل، شاغلاً نفسه باحتساء أكواب من القهوة، وتقليب صفحات الجرائد، ثم بعد ذلك يبدأ بالنظر في معاملات الناس، وتجده في الساعة الواحدة ظهراً يصرخ في وجوهم: لا نستقبل المعاملات تعالوا غداً، وبعد هذا يغضب إن لم يعط درجة عالية في تقييم أداء الموظفين!

والأسوأ من ذلك أن تجد المدير لا يهتم بأداء عمله بشروطه المطلوبة وفي زمنه المحدد، مضيعاً لحقوق العباد وغافلاً عنها، بل أنها غير موجودة في قاموسه، والأخطر من هذا كله أنه يرى نفسه في عدله وصبره وجديته مثل عمر بن عبد العزيز، وأن المسؤول الأعلى لم ينصفه فهو يستحق الأكثر.. تلك بعض الأمثلة عن أناس يخادعون أنفسهم بسبب موت ضمائرهم.. فعلينا وعليهم أن ننتبه لذلك ونحن نؤدي أعمالنا، كلٌّ في موقعه.
#بلا_حدود