السبت - 13 يوليو 2024
السبت - 13 يوليو 2024

مفهوم الجاهلية.. وخطورة الفكرة

لعل إدخال التاريخ في خانة المقدس من أبرز ما نعانيه في عالمنا العربي والإسلامي، إذ لا تقبل أي رواية تاريخية خارجة عن نص الفقه وأحكام الشريعة؛ وهو «فقه» ظهر متأخراً بتحالف جهنمي رهيب، بين السلطة ورجل الدين منذ تولى الخليفة معاوية الحكم.

مثلاً، «الجاهلية» مصطلح خطير انسحب في معناه الاصطلاحي فغطى كل فترة ما قبل ظهور الدين الإسلامي وصور تلك الفترة بأنها عتمة مطلقة، وفراغ صحراوي مطلق لا حياة فيه ولا تفاصيل، وأسهمت المخيلة «التاريخية» التقليدية دوماً، وعبر تراكم ممنهج بتصوير شخصياتها كمخلوقات متوحشة شريرة لا قوانين تنظم علاقاتها، ولا أخلاقيات مدنية تضبط إيقاع حياتها.

لكن، قراءة في تاريخ تلك «الجاهلية» المفترضة، مجرد قراءة بسيطة في نفس كتب التاريخ، تكشف أن الأمر لم يكن كذلك مطلقاً.


كان السموأل، أوفى العرب وقد ضرب به المثل على وفائه؛ وهو يهودي اختلف الرواة على نسبه بين أن يكون من نسل اللاويين أو من سبط يهوذا، واسمه العربي تحريف لاسمه العبري «شموئيل»، واحتفل العرب بوفائه ورفعة أخلاقه بل وفحولته الشعرية في اللغة العربية التي كتب فيها مكارم الأخلاق.


في المقابل، كان الغرب في فترة من الفترات، متأخراً عن كل ذلك التاريخ التنويري الذي ظلمناه بمصطلح الجاهلية. يعيش فترة تعصب ديني وعرقي، حتى أن شكسبير (1564 ــ 1616) خلد يهودياً في واحدة من أهم مسرحياته ووسمه بصورة انطباعية بشعة حين خلق شخصية «شايلوك» في مسرحيته «تاجر البندقية»، وهو ما يجعل المرء يفكر ملياًّ في تاريخ العرب قبل الإسلام من ناحية التعددية العرقية والدينية.

وبينما استطاع اصطلاح ظالم مثل «الجاهلية» وقد تسلل إلى منهجيات التأريخ العربي، من أن يصور كل شخوص تلك المرحلة بصور تهريجية ممسوخة، فإن هذا «التأريخ» القاتم والممنهج لم يستطع أن يطمس شخصية مثل حاتم الطائي (على كل المبالغات التي نسجت حول قصص كرمه)، لندرك بعد ذلك أنه كان مسيحياً سيد قومه من العرب.

إن ترسيخ فكرة انحطاط الأخلاق وانفلات كامل في منظومة السلوك الإنساني في فترة ما قبل الإسلام، فكرة ساذجة وخطرة عملت عبر تراكم السنوات وعبر أجيال متعاقبة على بناء فكرة وردية غير واقعية عن «العصر الإسلامي».

من هنا، فإن «الجاهلية» هي خطؤنا التاريخي في القراءة منذ السطر الأول، وعلينا أن نعيد قراءة تلك الفترة بعيداً عن التعصب والتطرف الديني، وبعلمية منهجية تعطي للتاريخ كما كان فعلاً حقه الكامل.