الثلاثاء - 18 فبراير 2020
الثلاثاء - 18 فبراير 2020

الصداقة.. حاجة إنسانية

الصداقة من أهم القيم الإنسانية الضرورية لتعزيز الروابط البشرية، وقد كان فلاسفة اليونان على اختلاف مشاربهم يرونها حاجة إنسانية أساسية، فأبيقور يراها أفضل ثمار الحكمة التي تحقق نعمة الحياة الكاملة، ويرى أرسطو: أن الصداقة الحقيقية من أسمى الفضائل، لكنها لا تتحقق إلا بين أناس صالحين.

وكلمة «صداقة» في العربية مشتقة من «الصدق» الذي هو نقيض الكذب والزيف، ومثلها «المصداقية»، فهذه المشتقات مترابطة، أما في الإنجليزية، فإن الصداقة والصدق والمصداقية لم تأتِ من جِذْر واحد؛ لذلك فإن معنى الصداقة في العربية أشمل وأعمقُ.

والصداقة ليست مجرد كماليات سلوكية، بل حاجة أساسية تقع في قمة العلاقات البشرية، حتى إن روابط القرابة لا تبلغ ذروتها عند بعضنا إلا إذا اقترنت بالصداقة، وكثيراً ما يقول أحدنا: فلان ليس مجرد أخ ولكنه صديق أيضاً، وهذا مُشعِرٌ بتجذُّر قيمة الصداقة في أعماق الكائن البشري، فهي كما يقول ميشيل حنا متياس: «مصدرٌ مهم للنمو والتطور الأخلاقي».


لكن كثيراً من الناس لا ينظرون إلى الصداقة كقيمة جوهرية، وإنما كقيمة عملية نفعية، وهذا النوع من الصداقة هو الأكثر شيوعاً وانتشاراً؛ لا سيما في عصرنا الحالي الذي تكاد الصداقة تتحول فيه إلى منافع مادية متبادلة؛ في حين كان كثيرٌ من الناس قديماً يرون الصديق جُزءاً منهم، أمَّا الصداقة بالمفهوم النفعي فهي ليست صداقة حقيقية وإنما هي علاقات قصيرة الأمد سريعة الزوال، بل قد تنقلب من النقيض إلى النقيض بزوال المنفعة التي تُغذيها.

إن حاجتنا إلى الصداقة لا ينبغي أن تكون مجرد رابطة مادية نفعية؛ بل هي حاجة إلى إكمال الذات الإنسانية وتنميتها، ويستوي في ذلك الأفراد والجماعات والدول، فكل أولئك مُحتاجون إلى أصدقاء ليس فقط عند الضيق كما يقول المثل (الصديق عند الضيق)، ولكن في السعة أيضاً، فالصداقة تتسع اتساع الحياة نفسها.

ومن أجمل ما في الصداقة أن كل طرف فيها يقبل الآخر كما هو؛ أي إن أطرافها يُجسّدون التسامح في أسمى صُوره.

لكننا لا بد أن نقر بأن الصداقة الحقيقية صعبةُ المنال؛ لا سيما في عصر الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التي حولت الصداقات البشرية الحميمة إلى علاقات افتراضية لا روح فيها ولا جسد.
#بلا_حدود