الاحد - 31 مايو 2020
الاحد - 31 مايو 2020

الخداع الثقافي

إن الثقافة الواسعة نعمة عظيمة لا حدود لها، فهي من أسباب الرفعة الدنيوية، حيث إذا تكلم المثقف أصغى الناس إليه، لأنه يحسنون الظن فيه بأنه تعلم ثم تكلم، وأنه لا يتكلم من أجل الكلام وفقط، وهذه الثقافة تبنى على أساس قوي من تمّلك أدوات العلم الصحيحة وضبطٍ لطرق تحصيله، وتمكن متين لتمييز المعلومة الصحيحة من الزائفة.

وتأتي أيضا هذه الثقافة بمرور الأيام والليالي من خلال القراءة الجادة ومجالسة المثقفين المتمكنين، وهذه طرق لا يستوعبها أصحاب الثقافات الهشة الضعيفة، فتجدهم يهرولون من أجل الوصول إلى القمة بلا كد ولا تعب، فيقعون في الخداع الثقافي وسرابه، فيخدعون أنفسهم ويخدعون المجتمع عندما يتصدرون لمسائل لا يحسنونها أبدا.

ويقوم بعضهم بشراء الشهادات العلمية، أو بتوكيل من يكتب له بحثا مطولا واسعا من باب (الاستعانة بصديق )، ثم إن تكرموا بمراجعة يسيرة للبحث فالأمر طيب وحسن فبعضهم لا يقوم حتى بالمراجعة، وكذلك إن شارك في ندوة أو مؤتمر لم يكلف نفسه عناء كتابة ورقة بحثية جادة ليقدم ما هو نافع ومفيد لنفسه وللناس، وإنما يشارك بجهود الآخرين فقد ركن إلى الدعة والكسل، والعجب العجاب أن بعض هؤلاء يعرفون كساد بضاعتهم، ثم تجدهم يشاركون في المحافل الثقافية دون حياء وخجل!.


ومن صور الخداع الثقافي أيضا توكيل من يكتب لهم الكتب والبحوث العلمية ثم يضعون اسمائهم عليها، وفي المقدمة يشير إلى شدة تعبه في الوصول إلى المعلومة!.

إن هذه الصور من علامات ضعف النفس ورغبتها في الوصول إلى مجد لا تستحقه، وهذا أمر يترفع عنه العقلاء من الناس، فالعامة لديهم تمييز وبصيرة، فهم يدركون هذه الصور وقد يمنعهم الحياء في كثير من الأحيان من مواجهة المخادع، والمعرفة أيضا لها أبوابها وطرقها، فمن مقاصد الدراسات العليا تعلم أسس التفكير، وكيفية البحث عن المعلومة، وتمّلك أدوات وقواعد البحث العلمي، ومن وكل غيره بأن يكتب عنه كيف ستتطور هذه المهارات عنده؟.

إن المثقف المتميز يعلم جيدا أن من بركة العلم النافع أن يُعلم غيره فلا يتقصد ازدراء الناس وانتقاصهم، ولا سرقة جهودهم بل تراه يفرح بالمعلومة الجديدة، وإن سمعها من طفل لأنه على يقين تام أن العلم بحر لا ساحل له، وأن الإنسان كلما تعلم عرف أنه يجهل أمورا كثيرة.
#بلا_حدود