السبت - 04 أبريل 2020
السبت - 04 أبريل 2020

العدالة الاتفاقية.. والكلفة

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
مع تسارع التطوير والحداثة في ظل عالم الثورة الصناعية الرابعة والعولمة، تعج أروقة المحاكم عبر المعمورة بنزاعات تتشعب تعقيداً وخصوصية، نشط معها خلال العقدين الأخيرين تفعيل آليات القضاء البديل من تفاوض وتوفيق وتصالح ووساطة وتحكيم، ورسخت ثقافة العدالة الاتفاقية، تلك الثقافة التي أرست حلولاً مستدامة لنزاعات الأحوال الشخصية، والمدنية، والتجارية، والعمالية، ومنازعات التجارة الإلكترونية وغيرها، تم معها خلق بيئة تشريعية وقانونية وتنظيمية داعمة ومؤازرة دولياً ومحلياً لدور القضاء، فأصبحت آليات الحلول البديلة للمنازعات منصة عدالة اتفاقية ناجزة مساندة وفاعلة حين تصل برحلة المتخاصمين إلى تسوية نهائية فاصلة في النزاع.

العدالة الاتفاقية باب رحْب يلجه أولئك الذين يسعون إلى تسوية لنزاعاتهم، وجبر منصف للضرر الذي لحق بهم، وضمان تحسين علاقاتهم واستمرارها بالوصول إلى حل ودي منه للنزاع مرضٍ لأطرافه، فتتقارب وجهات النظر، وتطرح التنازلات لتحقيق الصلح والتسوية، بعيداً عن الرسميات الشكلية والإجرائية وما يرتبط بها من مال وجهد ووقت.

العدالة الاتفاقية منصة فعالة وإيجابية لحل النزاعات عن طريق الوساطة أو الصلح أو التوفيق عبر التفاوض بين الخصوم، تفضي إلى استقرار العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وضمان استمرار المعاملات التجارية. قد تكون هذه الوسائل غير فاعلة في نظر البعض، لكنها تطرح حلولاً وتسويات تُعلي من إرادة طرفي النزاع عبر التحليل العميق لموقفهما، واقتراح الحلول التي تراعي مصالحهما، وتعزز الثقة بينهما.


تحتاج العدالة الاتفاقية إلى فهم وتحليل عميق للكلفة الخفية للمنازعات، وإلى الوعي بأن طريق القضاء يجب أن يكون الملاذ الأخير لانتزاع الحقوق، وردها لأهلها، فمهما كانت المكاسب التي قد يحققها المتخاصمون من طَرْق باب القضاء، فهي لا تعادل ما يرتبط بها من آثار سلبية على العلاقات بين أفراد المجتمع، فالخصومة المستمرة تنحرف بصاحبها عن الفطرة السليمة، وتخرجه عن اللغة الإنسانية في الحوار والمعاملات، تلك اللغة التي لا يقتضي فهمها سوى بعض الأنفة من الوقوع في حق الغير، ويا ليت الخصوم المثخنين بجراح الخصومة يؤمنون بأن التسوية غير المكتملة خير من قضية مكتملة.

لكن يبقى سدنة العدالة القضائية ملاذ كل من لم يستطع تحقيق العدالة الاتفاقية، فليس كل المتخاصمين يملكون روح التسوية الودية، ويحرصون على استدامة العلاقات في حدها الأدنى، وليبقى القضاء شامخاً وباب العدالة الناجزة لكل من تقطعت به السبل في رحلته مع العدالة الاتفاقية.
#بلا_حدود