الأربعاء - 01 أبريل 2020
الأربعاء - 01 أبريل 2020

صوت القارئ المسموع

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
تروي الأساطير اليونانية القديمة أن (هرمس) كان رسول الآلهة المتصارعة فيما بينها، ورسولها إلى البشر، وكان هرمس ينقل كلام الآلهة ويفسره ويعيد ترجمته، فيصبح هو الخبر وصانع الحدث والملهم، ومنه اشتق علم التأويل الهرمنيوطيقا، أي تفسير رموز القول صعبة الفهم بسبب تباعد الزمان أو اختلاف اللغات أو غموض المغزى، وبعد هرمس، صار النقاد هم رسل المعنى بين الكاتب والقراء، فصاروا هم من يفسر الكلام ويترجمه ويعبر عن دلالته.

ولعقود طويلة احتكر النقاد صوت الكاتب، كانوا هم من يزعمون امتلاك المعنى، وهم من يقيّمون جيد القول ورديئه، ويتجاوزون القول للقائل بقدح المؤلف أو مدحه، وانقسم الكُتاب بين راضٍ بهذا الوضع، ومتملق للنقاد، وبين ساخط وناقم عليهم، ولسنوات طويلة بقي النقد معادلات ومقاسات معقدة، لا يفقهها إلا من أُوتي حظاً عظيماً، إلى أن لاحت في الأفق نظرية موت المؤلف التي انتهت بموت الناقد، وميلاد عصر القارئ واستجابته، فصار القارئ هو (هرمس).

بعيداً عن الخلفيات الفلسفية لموت المؤلف التي هي في الأساس امتداد لفلسفة موت الإنسان وموت الإله، فإن مدلولها هو انفصال المعنى عن الكاتب، لقد صار النص معنى معلقاً في الهواء، من حق أي متلقٍ أن يؤوله ويترجمه، وسيكون لاستجاباته مقامات مختلفة من القارئ النموذجي إلى القارئ الهاوي، ولكلٍ حق التفسير والتأويل والتعليق، ولكل متلقٍ تجربته الخاصة وبيئته المميزة التي تجعل استقباله للنص خاصاً ومرتبطاً به لا بغيره، وبذلك يكون للنص عدة تفسيرات وعدة تأويلات ودلالات مختلفة.


إن منح القارئ حق التفسير والتأويل، هو شكل من أشكال الديمقراطية والتعددية، ويصح القول: إن الممارسة زادت من سخط الكاتب الذي ما انفك يتبرم من قيود الناقد، حتى سقط في دائرة فوضى استجابة القارئ، التي جردت الكاتب من حقه في تحديد المعنى، ومن هوية النص التي حددها هو، فكان الخاسرَ الأكبرَ النقادُ الذين صاروا على ضفاف الهامش بعد أن تبعثر دورهم بين جميع القراء.

من حق القارئ أن يبدي رأيه وأن يعبر عن ذوقه وموقفه وتقييمه، لكن غياب دور النقاد في تنمية ذائقة القراء، وفي توسيع مداركهم حول مداخل النصوص ومسالك اتساعها وتفرعاتها، أضر بالقارئ، الذي اعتقد أن الذاتية وحدها تكفي للحكم على العمل، لذلك تعج مواقع التواصل الاجتماعي بآراء غريبة عجيبة حول الأعمال الفنية، ولذلك صار سهلاً أن تصير شاعراً وأديباً، وأن يكون لك جمهور عريض من القراء والمعجبين، لأن صوتهم صار مسموعاً وصاخباً.
#بلا_حدود