الثلاثاء - 31 مارس 2020
الثلاثاء - 31 مارس 2020

عناق الثلج ودفء الذكريات

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
في رحلة غير اعتيادية من الشرق الأوسط إلى أمريكا الشمالية تقضيها بصمت وشوق وترقُّب على متن الطائرة، تودّ لو تُطوى القارّاتُ ويبتلع المحيط الأطلسي تلك الساعات الممتدّة، لتصل لوجهتك حيث موطن فلذات أكبادك في كندا التي تَوشّحت بالأبيض في فبراير الأثلج.

وبرغم ثلاثية الصقيع والثلج والبرد، فإن لهيب الشوق أبى أن ينطفئ إلا بالعناق، وضمة اشتياق، الأبيض تحت مهبِّ الريح يعانق الشجر والحجر على مرمى البصر، يحتويك، يناديك، يداعبك ويأسرك، فتتوحد معه دون عتاب أو ضجر.. تتحدَّرُ دموعٌ دافئة، لكنها قبل أن تصلَ إلى الأرض تتجمد.. الأبيض واحتك لاستراحة محارب في زمن التضاد ودنيا الألوان وفوضى الخلاف والاختلاف..

لأول مرة أستشعر أن للأبيض معنى مختلفاً يحملني للدفء وسط كثبان الثلج الممتدّة إلى ما لا نهاية، بلون أحادي يكسر حتى اختلاف الأشكال أمامك، فتشعر بالدفء في أطرافك، وأجفانك، ووجدانك.. شعورٌ يَهَبُ السكينة بهجةً ترتشفها مع كأس الشاي الدافئ، تلتحفُ كنزَك الأبيضَ مُطلًّا من النافذة الشفافة والمزركشة ببلورات الصقيع الفضية، لتُحِيلَ كلَّ ما أنتَ فيه إلى احتفالية «العيد الأبيض».


تترى الليالي والأيام، وساعتك البيولوجية تتلاعبُ بك حتى تكبحها باستعادة توازنك من جديد، هناك في مدينة «ويندسور» الثلجية في مقاطعة «أونتاريو» الكندية على الحدود الأمريكية، يكمن سرٌّ عصيٌّ على البوح، أسيرٌ للصمت، بلوريٌّ كالثلج.. همسُ الحديثِ رقراق، وبوحُ القلوبِ دفّاق، والخاطرُ أقربُ للأسماع من صوت الحناجر، وقصصُ النجاحِ وشغفُ الإنجازاتِ في النبرات كفيلةٌ بصناعة كل لحظة في يومك، تُسندُ رأسَك إلى الخلف مغمضاً عينيك لتتوهَ بين عوالم المدينة الصغيرة الرابضة بحضن نهر «ديترويت» لتدركَ أن هناك ناموساً ارتضاه من وطِئت قدماه تلك الأمصار، ناموس أنا لست أنت وأنت لست أنا، ولكننا شركاءُ في الإنسانية، نتشاركُ الطموح، ويجمعنا قبول الآخر والتسامح.

سرٌّ آخرُ أبتْ أن تبوحَ به المدينةُ الصغيرةُ في مساحتها، الكبيرةُ بأحلام قاطنيها، وقتك منظَّم، والطاقة الإيجابية تجتاحُ الأرجاء وتشع كشعاع ضوء الشمس على الثلج، وأحاديثُ الأمسياتِ ماثلةٌ على الضفاف يرتقبها عشاق الحياة ببساطتها.

ثم تعودُ أدراجك بدفء ذكرياتك، تطوي عباب أجواء بحر الظلمات من جديد، تودِّعُ المدينةَ المدثرةَ بوشاحها الأبيض، والمُقلُ على موعدٍ مع طيف من الألوان، بعد أن سحرها الثلجُ الأبيض.

أيَّتُها المدينةُ الصغيرةُ.. حقاً الأبيضُ يليقُ بك..!
#بلا_حدود