الاثنين - 06 أبريل 2020
الاثنين - 06 أبريل 2020

عيد الأم... الذكرى والافتقاد

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
أماهُ.. رغم أن عيدك هذا العام تزامن مع ما نزل بالأرض من بلاء، وأهَمًّ وأشغل البلاد والعباد، لكن كيف أنساه، وفي عيدك أستحضر عشبَ الاشتياق وحنينَ الذكريات، وصحبةَ الأمان ودفء الحنان، ونبع عطاءٍ بلا حدود، مغزولٌ بالخلود.

أماهُ.. يا ألفَ صديقٍ يتجدد، وطريقَ أملٍ ممتد، وحبيبةَ عمرٍ كلما ذبلت تتورّد، انتزعت هذه الليلة صورتك من سطح خيالي لأطبعها على القمر العالي، فليس من برواز أجمل منه يليق بها، أمضيت الليل أتأمل صورتك لأكتشف كم أخذت من عمرك لتضيفيه لعمري، فتكبرين وأصغر، وتشيبين وأشب، ويتمكن منك الوهن وأصح، حتى حين حملتني دروب الحياة بعيداً عنك، ولحقني الكبر والمشيب، ظلت دعواتك وابتهالاتك وصلواتك الأمان في الحل والترحال.

أماه.. في كلِّ صباح ومساء أستحضر الصوتَ والصدى، الصحبةَ والحكمة، الرضا واليقين، قصصك عن النبلاء والأوفياء، ورقي الأتقياء والأنقياء، هم أنتِ وأنتِ هم أماه، إليك وحَدك أماه تحملُنا الأقدامُ مهما امتد السفر، فلكل غريبٍ مآب، وقلبك الموطن الدائم مهما طال الإياب.


أماهُ.. تولدُ معكِ ملامحُ أمانينا، وتنكشفُ على بابكِ مواطنُ آلامنا وشراعُ آمالنا، وتنهمرُ بحضنك دموعُنا الخرساء؛ وحَدك تملكينَ قلبَ العارفين، وبوصلةَ التائهين، وبلسمَ الشفاءِ للقلبِ الحزين، فلا يخفى عليكِ الأنينُ، وهمس الحنين، وحديث الصامتين، فكيف لا ننسج من دعائك معطفًا يَقينا صقيعَ السنين.

أماهُ.. كيف لي أن أنظرَ إلى عينيكِ الذابلتينِ من فراقي، وقلبكِ التواق لعناقي.. كيف لي أن أعتذرَ عن قسوتي يومَ أخبرتُكِ أن حُلمي هو أن أطير، بينما أنت تحكينَ لي كيف أنكِ تسقين وتهتمينَ كلَّ يومٍ بشجرتي الصغيرةَ التي زرعناها معاً، وأن حُلمك أن تريها تزهر وتمتد جذورها في حديقة بيتنا الصغير العامر بقلبك الكبير.. كيف لي أن أعتذرَ اليوم عن عيناي اللتان كانتا ترقبان الطريقَ دون انتباه لعينيكِ اللتينِ حمّلتُهما من خوف الفراق ما لا تطيقان.

أماه.. في يوم عيدك شوقي يتجاوزُ عنانَ السماءِ، وستبقى رحلتي في الحياة نهراً من الافتقاد يسري في الأوصالِ ليعانقَ شوقاً لكِ مهما طالَ الغياب.

أماه.. ها قد توقفت الطائرات وأُغلقت المطارات، واشتد الخطب وعزَّ اللقاء، لكن يبقى الرجاء في مدد السماء، ثم دعاؤك الذي به تتغير الأقدار، ويُرفع البلاء، وتتبدل الأحوال.

كل عيد وأنتِ أماهُ الأمل المتجدد وشاطئ العودة المفتقد...
#بلا_حدود