الثلاثاء - 26 مايو 2020
الثلاثاء - 26 مايو 2020

التنبّؤ.. مسيرة لا نهائية

التطلُّع إلى المستقبل غريزة دفينة في الإنسان الذي كان يستنطق الآلهة من طريق الكهنة، فتاريخ هيرودوت ينبئنا بأن قادة الإغريق لم يعقدوا أمراً ولم يحلوا عقداً قبل استشارة كاهن المعبد الذي يتصل بالآلهة، فيخبرهم بما سيحدث من هزيمة أو نصر، وكانوا يغدقون الأموال على الكاهن، وإن شئت قلت كانوا يرشونه للتأثير الإيجابي في الأحداث.

وثمة وسائل أخرى أسطورية للتنبؤ بالمستقبل، وهي الخط في الرمل، أو قراءة الودع أو الكف، أو التنجيم؛ إذ كانت حركة النجوم والكواكب تربط بأحداث معينة، إما بموت شخص مهم أو ميلاده أو انتصار في حرب أو وقوع كارثة.. إلخ.

وكان العالَم القديم يلجأ إلى الأساطير لتفسير ظواهر الكون؛ حتى وجدنا نوعاً من الأساطير يسمى «الأساطير المفسرة»، كتلك التي تفسر كيف نشأ الكون، وكيف ظهر الفساد في الأرض بعد فتح صندوق بندورة، وكيف عرف البشر النار بعد أن سرقها أحدهم من الآلهة التي كانت تحتكرها.


كل تلك التفسيرات والتنبؤات الأسطورية لم تحقق نتائج علمية؛ لكن كانت لها فوائد عملية في تهدئة بال الإنسان لاعتقاده أنه وصل إلى تفسير الظواهر المحيطة به، ومعرفة ما يخبئ له المستقبل، واليوم يحل العلم الحديث والتكنولوجيا محل الكهنة والأساطير للتنبؤ بمصير الكون من احتباس حراري إلى نضوب موارد الأرض.. إلخ.

ورغم ذلك، فإن العلم لا يستطع أن يحدد بدقة ما ذا سيحدث في المستقبل؛ إذ كثير من التنبؤات العلمية التي يخبرنا بها العلماء أو «الكهنة» الجدد، كما يطلق عليهم ريتشارد كوبر وريتشارد لايارد، لم يتحقق، بل لم تستطع التكنولوجيا المتقدمة إدراك كثير من حقائق المستقبل، فالولايات المتحدة الأمريكية، مثلاً، بما تملكه من قوة علمية جبارة، لم تدرك في مطلع ثمانينات القرن الـ20 أن الاتحاد السوفيتي سينهار خلال 10 سنوات، ولذلك كانت تخطط لمواجهته خلال القرن الحالي!

فالعلم إذاً، مهما بلغ من تقدم، لن يتمكن من التنبؤ الدقيق بما سيحدث في عالمنا الطبيعي، ولا سيما البيولوجي، وما (كوفيد-19)، المنحدر من سلالة كورونا المعروفة، إلا أحدُ الأمثلة، لكن يبقى التخطيط للمستقبل والسعي للتنبؤ به مهم للتقدم العلمي ولتجنب بعض الكوارث والأزمات على الأقل؛ لذلك، فإنه لا مستقبل للدول التي لا تخطط لمستقبلها.
#بلا_حدود