الخميس - 26 نوفمبر 2020
الخميس - 26 نوفمبر 2020

عن كورونا والمسألة الدينية

هل كان كوفيد-19 رسالة إلهية توقظ الإنسانية الغارقة في الملذات والماديات البعيدة بشكل كبير عن مسارات ومساقات الروحانيات؟

المؤكد أن أزمنة العولمة المعاصرة قد همشت بشكل كبير كل تفكير في الأمور العلوية، وأضحى السباق من حول المكاسب المالية هو الشغل الشاغل الأكبر للبشرية من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب.

على أنه وفجأة، استشعر الكل بأن هناك خطراً داهماً، لا قبل لأحد بمواجهته أو مجابهته، خطراً قد لا يبقي ولا يذر، ولهذا بدأت المسألة الدينية تفرض ذاتها، إذ تبين للإنسانية أن هناك أبعاداً أخرى غير الصراع على عوامل القوة بكافة أشكالها.

من بين الأمثلة التي تبين لنا كيف أثرت أزمة كوفيد-19 على تفكير الشعوب، نتائج استطلاعات الرأي التي جرت في الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً، والسؤال هل أمريكا دولة دينية أم علمانية؟

باختصار غير مخل، الولايات المتحدة الأمريكية دستورها علماني النزعة، لا يفرض إلزاماً دينياً على الدولة أو المواطنين، وتحرص مواده كل الحرص على حق كل مواطن في اختيار ما يشاء من مذاهب أو أديان أو ألا يختار.

إلا أن واقع الحال يؤكد أنها دولة مغرقة في الهوى الديني ولهذا جاء استطلاع رأي أجرته مدرسة يوشيكاغو ونورك برس أسوشيبد لأبحاث الشؤون العامة، ليؤكد على أن ما يقارب من ثلثي الأمريكيين أي نحو 200 مليون يشعرون بأن الله تعالى يأمر البشرية بتغيير طريقة حياتها.

الاستطلاع المشار إليه قطع بأن المستطلعة آراؤهم ذهبوا إلى القول إن الفيروس الشائه الذي ضرب العالم عبر قاراته الست، وقتل حتى الآن أكثر من 90 ألف أمريكي، وتسبب في خسائر اقتصادية رهيبة، يدعو الجميع للتعمق في معنى حياتهم.

هل الأمر قاصر فقط على الذين يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؟

يبدو أن عمق الهول الكوروني إن جاز التعبير يدفع دفعاً حتى غير المؤمنين، فقد قال أحدهم «كل شيء كان يبدو بأنه يسير في اتجاه جيد، وفجأة جاء الفيروس التاجي.. انبثق من العدم.. ربما هذه رسالة».

الأمريكيون في واقع الأمر بوتقة انصهار، وليسوا عرقاً واحداً، ولهذا تجد على الأرض هناك من كل الملل والنحل ومن قارات الأرض المختلفة، مع ذلك فإن 55% من القائمين على الأراضي الأمريكية ذهبوا في ثقتهم بالسماء إلى حد بعيد، واعتبروا أن الله سيحميهم وأن الأزمة سوف تزول وتنقشع عما قريب.

تبدو أمريكا اليوم تظللها سحابة صلاة من قبل 82% من سكانها، حتى وإن كانت دور العبادة قد أغلقت أثناء الحظر، إلا أن الصلوات والتجمعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تنفك تباشر دورها في إقامة علاقة روحية بين المؤمنين وبين السماء لاستمطار رحماتها عليهم.

على أن المسالة الدينية في تقاطعاتها وتجاذباتها مع أزمة كورونا لم تتوقف عند حدود الولايات المتحدة الأمريكية فقط، بل تجاوزتها إلى كثير من دول العالم، وهنا طفت على سطح الأحداث معضلة تكاد لا تصدق، التضاد بين العلم والإيمان، فقد ذهبت بعض الأصوات الأصولية، وبعضها قائم في عالمنا العربي بالفعل، إلى أن المؤمن لن يصاب، وأن كورونا لن تصيب المؤمنين، الأمر الذي عاد بنا إلى المربع الأول وهو كيف أن الدين لا يتعارض مع العلم وهذه قصة قائمة بذاتها.

كورونا وفي كل الأحوال عمقت إحساس الأرض بالسماء لقوم يفقهون.

#بلا_حدود