الاثنين - 13 يوليو 2020
الاثنين - 13 يوليو 2020

اللعب في زمن الأزمة

د. عائشة الدرمكي
أكاديمية من سلطنة عمان، متخصصة في سيميائيات اللغة، لها مجموعة من المؤلفات في التراث وسيميائيات النص، تنشر مقالات في مجلات ثقافية عربية متعددة.
إن تنوع الحياة الثقافية للمجتمعات جعلت اللعب أحد الأنواع الثقافية التي يحرص عليها الإنسان مهما تغيرت المجتمعات أو تطورت، بل يعتبر بعض المتخصصين من أمثال (يوهان كوتسينغا) في كتابه «ديناميكية اللعب» أن تاريخ الإنسان مع اللعب قد يكون سابقاً للثقافة نفسها باعتباره (حدثاً مستقلاً ذا طبيعة متميزة تجعله مختلفاً عن السلوك البشري المعتاد)، ولهذا فإن أنماط اللعب وأشكاله تتغير تبعاً للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالتالي فإن الدوافع الاجتماعية والمواقف هي المسؤولة عن تحديد طريقة اللعب وشكله ونوعه سواء كانت ألعاباً اجتماعية أو حركية، أو استكشافية، أو تنافسية أو غير ذلك.

ولعل شيوع الألعاب الإلكترونية مع تقدم التقنيات كان له الأثر الكبير في تطورها وانسياقها نحو العالمية؛ فاللاعب يتسابق مع لاعبين من كل العالم عن بعد، هكذا تطورت الألعاب بين الكبار كما هي عند الصغار، وعلى الرغم من أن تسارع الحياة وازدحامها وارتباطها بالتكنولوجيا جعلت الألعاب محصورة بين فئة الشباب والأطفال أكثر من غيرهم؛ إلا أن الأزمة التي يشهدها العالم اليوم والحجر المنزلي الذي أصبح إلزاماً على الأسر، جعلا من اللعب ظاهرة اجتماعية لها قدرتها على تنظيم الحياة في نطاقها المغلق المحدود من ناحية، واستكشاف السلوكيات ضمن أنشطة نوعية في بنية اجتماعية ذات نمط مشترك من ناحية أخرى.

إن ظاهرة الألعاب في ظل أزمة فيروس كورونا تقدم تغيراً في فكر هذا النوع من الفنون من حيث ارتباطه بالأسرة من ناحية، وارتداد أشكاله إلى تلك الألعاب الحسية المعروفة سابقاً قبل الإلكترونية مثل الألعاب الورقية بأنواعها والكيرم وغيرها، بل الأكثر من ذلك أن بعض الأسر أصبحت تعود إلى سرد الحكايات والألعاب الشعبية المعتمدة على التنافس خاصة، ولعل الإقبال الكبير على الألعاب الورقية حدا بالمصوّر والمصمم الغرافيكي اللبناني مارتن خليل إلى إعداد وتصميم لعبة ورق بعنوان: (في زمن الكورونا)، وقد جاء في كتيبها التعريفي:

(انعملت هاللعبة بوقت انفرض علينا حجر صحي لنحمي حالنا ونحمي غيرنا من كورونا).

ويكشف الرواج الكبير لهذه الألعاب قدرتها على إعادة بناء العلاقات الاجتماعية في الأسرة من خلال التسلية والمرح ضمن أنشطة حسية وحركية على الرغم من كونها ألعاباً يعدها البعض (ذات أنماط تقليدية)، إلا أنها استطاعت أن تتجاوز تلك الطفرة الإلكترونية الهائلة في الألعاب إلى تشكيل بدئي من أفراد العائلة المتحلقين للعب والتنافس في جو من المرح والتسلية.

#بلا_حدود