الاثنين - 13 يوليو 2020
الاثنين - 13 يوليو 2020

العيد.. عيد القلب

د. مجيب الرحمن
دكتور في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة جواهر لال نهرو ـ نيو دلهي، له مؤلفات وترجمات ومقالات منشورة في صحف عربية وغيرها من الجرائد بالهند.
العام الماضي كتبتُ مقالي بمناسبة العيد على صفحتي المعتادة بعنوان "عنما لا يأتي العيد"، ولم يَدر بخلدي حينها أنه سيأتي يوم لا يحل فيه العيد على المسلمين، وعلّقت أن الحزن والوجع باديان على وجوه المسلمين من أقصى الأرض إلى أدناها، وهم يعيشون العيد، دون أن يضفي عليهم، أو يهبط على أرواحهم بالفرح، أو يطرق وجوههم وقسماتهم وأساريرهم، حيث يقبع الحزن في الديار الإسلاميّة بذاكرة مشتركة للهموم والأحزان، نتيجة لما يعانونه من التّناحر والفرقة والأنانية والإقصاء والضّعف والخصام وقتل المسلم لأخيه، وخذل المسلم لإخوانه، وتخلّيه عن أهله وقومه وأمّته، لقد اختفى العيد الحقيقي من النفوس.

اليوم ينتظر المسلمون في كل أرجاء المعمورة عيد الفطر المبارك في ظروف غير اعتيادية تحت وطأة جائحة كورونا التي حوّلت العالم إلى سجن كبير، وقد قضوا شهر رمضان من دون إقامة العبادات في المساجد والمصليات ودون إجراء الاحتفالات والتجمعات التقليدية أو ممارسة الطقوس الدينية المعتادة في الشهر الفضيل.

إن العيون تبكي والقلوب تنفطر على فكرة أداء صلاة العيد في البيوت، فلم يعهد في تاريخنا الإسلامي الممتد أن أدى المسلمون صلاة العيد فرادى، أو احتفلوا به دون شعائره ومكوناته الاجتماعية من ارتداء الملابس الجديدة وتبادل أطباق الحلوى ومعانقة الأحباب والأصدقاء وتبادل التهاني.


إن المسلمين في معاناتهم لا ينفردون عمن سواهم من مجتمعات العالم التي تعاني أزمة صحية كبيرة ما فتئت أن أضحت أزمة اقتصادية واجتماعية لا سابقة لها في التاريخ، أسفرت عن تأزم الوضع عند الفئات الهشة والمسحوقة في المجتمع، وهم يتخذون نفس التدابير الاحترازية كغيرهم بل وتخلوا عن أداء العبادات في المساجد وأداء فريضة الحج والعمرة حرصاً على الصحة العامة.

اللافت في الأمر الذي يفرحنا ويثلج صدورنا هو ما قام ويقوم به المسلمون في أنحاء العالم في هذا الشهر المبارك من أعمال الخير في إغاثة الملهوفين وإعانة الفقراء والمحتاجين ممن تقطعت بهم السبل أو وسائل العيش في زمن الوباء، وأيضاً ما زال الكادر الطبي والإسعافي من المسلمين واقفاً في الخطوط الأمامية لمكافحة الوباء ليبرهنوا بذلك على القيمة الإنسانية الأصيلة التي تشكل جوهر الإسلام، فما الإسلام إلا دين الرأفة والرحمة والخير للجميع.

وفي الحقيقة إن العيد هو عيد القلب، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعمل على إسعاد الآخرين وإيثار الآخرين على النفس حتى في زمن الخصاصة.
#بلا_حدود