الثلاثاء - 14 يوليو 2020
الثلاثاء - 14 يوليو 2020

ليلة الروح المظلمة

هنالك لحظة في عمر الإنسان، يتوقف فيها الزمن وتتجمد فيها كل الأحاسيس، وتجف فيها ينابيع الشهوة ومتعة الحياة، وتدخل الروح فيها إلى تيه مظلم، تسمى هذه اللحظة: (ليلة الروح المظلمة).

إنه تيه العقل والذاكرة والإرادة، ويشبهها الفلاسفة بالمخاض الثاني للإنسان ولآماله، وأحلامه، وطموحاته، وخيباته، وبالتأكيد هذا المخاض الروحي سيُولد منه شخصاً آخر، فإما أن يرتقي بهذه الروح إلى أعلى درجة أو ينتكس بها إلى القاع.

هذه اللحظة والتي قد تستمر لأشهر وسنين هي هبة الله للعبد ليراجع أدق تفاصيل حياته ويغوص في أعماقها، منفرداً متجرداً من كل عاطفة وثقافة وعقيدة.


هذه الليلة بها من الألم الداخلي والنفسي ما يعادل كل ألم مر به الإنسان خلال سنوات عمره، فالفهم الجديد للحقائق وللحياة ألم جديد بحد ذاته، وهذه الروح سوف تتبدل جذرياً، وخروج الإنسان من هذه الليلة يشبه خروج الفراشة من شرنقتها بعد أن دخلتها يرقة عاجزة، وقد يحدث العكس، فلا تخرج أبداً.

وإن ليلة الروح المظلمة تبدو غير مفهومة لنا، ولكن لها تفسيراتها الخاصة في الأديان والأساطير وفي علم النفس.

لقد تجلت هذه الليلة في أسمى معانيها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الغار، وليوسف عليه السلام في البئر، وللنبي يونس في بطن الحوت، ولسيدنا موسى في الوادي المقدس طُوى.

ومجتمعياً، عندما تتوزع المعاناة والألم بالتساوي بين جميع أفراد المجتمع الواحد ينصهر بجميع فئاته في روح واحدة، وقد تدخل هذه الروح الجماعية التيه، ولقد رأيناها شاهدة في أوروبا، وخاصة في أوروبا في القرون الوسطى بعد فاجعة الطاعون الأسود، وكيف ارتقت بها، والفاجعة ذاتها في الصين وكيف انحدرت بها، وكذلك في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكيف تلاحم الجميع في بوتقة واحدة للنهوض بأوطانهم.

لقد سَرقت منّا هذه الحضارة والتكنلوجيا السريعة مفهوم الإنسان والإنسانية، ولقد أجابت على معظم تحديات الطبيعة، لكنها في المقابل أنستنا طرح أسئلتنا، وأولها: إلى أين نحن متجهون؟

وإن هذه الأيام وجائحة كورونا وزوالها سيخرج أفراداً ومجتمعات ودولاً أكثر قوة وتماسكاً، وسوف يضيع البعض الآخر في التيه، وقد يخرج مشوهاً.
#بلا_حدود