الخميس - 13 أغسطس 2020
الخميس - 13 أغسطس 2020

هؤلاء علَّموني... هؤلاء ظلموني

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
يبدو أن الجائحة تجنح بالإنسان لصناديقه المغلقة، منقباً في دفاتره القديمة، مرتحلاً في كتاب حياته، متأملاً شريط ذكرياته، ومستحضراً ما فات، تستوقفه الملمات، وندوب عالقة في الذات، لطالما تذمر من ضجيج المدن، فإذا به رهن ضجيج أفكاره في حظر قسري فرضه فيروس أصغر من أن يرى بالعين المجردة، «كوفيد-19»، تنازعه الخلوات وتقض مضجعه الذكريات، المؤلم منها والمبهج، ومن قال: إن المبهج منها مدعاة للسعادة، وعلام نتحرق كلما راودتنا إذن؟

تأملت طويلاً رسالة صديق وصلتني، يسرد فيها فكرة مشروع كتاب عن شخصيات التقى بهم في مسيرة حياته، موزعاً فئاتهم على فصلين، الأول بعنوان: «هؤلاء علّموني»، ويرصد بحروف الامتنان والعرفان كيف أضاء هؤلاء دربه وأناروا سبيله، والثاني انتقى له عنوان: «هؤلاء ظلموني»، ليوثق ما قاساه خلال مسيرة حياته من ظلم القريب والبعيد.

بادرت الصديق، ما بالك تعلق مشنقة الذكريات المؤلمة وتشد وثاقها على رقبتك؟.. أليس هذا انتحار إنساني؟ يا صديقي: كيف تمضي حياتك وأنت تحمل على كتفيك أثقال سقام؟ نيلسون مانديلا مكث سبعة وعشرين عاماً بمحبسه، وحين أطلق سراحه سألوه ما أنت فاعل: قال إن تذكرت من ظلموني، فأنا ما زلت أسيرهم..!


وما مشروع الصديق إلا مرآة تعكس خبايا النفس، من «صعوبة التجاوز» و«ثقل التسامح» و«نبذ التعايش» و«خصومة الذات»، و«افتقار اليقين بعوض سيغدقه علينا من بيده مقاليد السماوات والأرض».

وفي ذات أمسية دافئة، هاتفني لأكثر من ساعة صديق آخر صاحب روح شفافة وقلب عابر للمحيطات، وناسك في محراب التسامح وعاشق للحياة القوس قزحية، بادرته بسؤال: كيف قطعت شوط حياتك بحلوها ومرها؟ فإذا به يروي بإمتاع عمن ضاقوا ذرعاً بإنجازاته واعترضوا نجاحاته بمعول الهدم، وكأنه يسرد ملحمة عشق بين «بطل رومانسي» و«وحوش كاسرة» تجري وقائعها بأدغال الأمازون، ليباغتني بخاتمة غير متوقعة لروايته، فلا صديقنا انتصر، ولم يكبل أعداءه بويلات الهزيمة، وإنما قال: رحلوا عن عالمي ومضيت أنا برحلتي حالماً، وما زلت باسماً عاشقاً..!

فالذات المثقلة وأسيرة مواقف الخذلان العابرة، لن تنال من محبسها سوى الاحتراق الداخلي وملامح مشوهة، ولن تجد للخلاص سبيلاً إلا بالتحرر من أغلال وذكرى المعارك المنصرمة.

تعلمنا الجائحة وخلوتها أن تكبُّد الذات لأحمال حروب الماضي مثقلة متعبة، وأن المتسامحين المتغافلين المترفعين وحدهم المكتفون في راحة بال وخير حال.
#بلا_حدود