الخميس - 13 أغسطس 2020
الخميس - 13 أغسطس 2020

أميّة دينية متزايدة

عبدالله فدعق
فقيه ومفكر إسلامي، درَّس الحديث وعلومه، والتربية، والقانون الإسلامي. عضو في العديد من المراكز والمجالس والمؤسسات والمنتديات الشرعية والثقافية والاجتماعية. يشارك في تقديم الاستشارات، وقضايا التحكيم، وطبع له بعض ما أعده وجمعه.
لا يوجد أدنى شك في ضرورة قيام مختصين بإعطاء أجوبة عن المسائل الدينية الطارئة بعد القيام بواجب استنباطها من النصوص المعتمدة، ولا يوجد كذلك أي شك في تزايد الأمية الدينية بين صفوف المتعلمين المعاصرين، وهناك أيضاً تخوف من بعض أدعياء المشيخة في الدين من مظاهر التحديث في جميع المجالات، وهو خوف منتشر بين ذوي الأهواء، وأهل الضيق في الفهم الديني.

اليوم، وأقصد في هذا العصر، يشهد الناس ثورة إعلامية عجيبة، واحتياجاً كاملاً لوسائل الإعلام إلى ترويج ما لا يحصى من المعلومات، وخصوصاً تلك المتعلقة بالدين، وللأسف، فإن ما يثار هو الآراء الشاذة الهدامة، وليست تلك التي يمكن أن تثبت فاعليتها في إعمار الكون.

في هذا العصر كثرت فوضى الفتاوى الشاذة والمضطربة، والتي عزت على أن يضبطها ضابط، أو يضمها ميزان، وزاد في الطين بلة، وفي الطبل نغمة، سرعة انتشارها وذيوعها في هذا العالم، الذي صار قرية واحدة حقيقة، عبر برنامج تلفزيوني، أو مجموعة في هاتف جوال، ونحو ذلك، والنتيجة توسع آفاق انتشار الفتاوى المتسيبة والشاذة، انتشار النار في الهشيم.


اليوم تعاني الأمة من الأحكام المصادمة للنص أو للدلالة القطعية للكتاب أو السنة، وأحكام مصادمة لما علم من الدين بالضرورة، وأحكام مصادمة لمقاصد الشرع أو قواعده أو مبادئه، وكانت قليلة فيما مضى، وتزايدت في عصرنا، ومن أسباب ذلك اقتحام غير المؤهلين، من غير أهل الاختصاص، والذين ليس لهم في العير ولا في النفير، حدثاء أسنان، يحسبون المسائل الشرعية كلأ مباحاً، فبقراءة من واحد من المنتسبين لهذه المجموعة لحديث واحد، يفتي، ولا يدري شيئاً عن فقه الحديث، إضاقة لعدم سلامة القصد.

رحم الله إمام دار الهجرة سيدنا مالك بن أنس، كان لخوفه من الله تعالى، وتحرجه من الفتوى كثيراً ما يتلو قول الحق عز وجل: «قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون» ( سورة يونس ـ الآية رقم 59)، ويقول الإمام ابن العربي المعافري، في كتابه (أحكام القرآن)، عن هذه الآية: «هي دليل على أن التحريم والتحليل لا يكونان عقلاً ولا تشهياً، وإنما المحرِّم والمحلل هو الله».
#بلا_حدود