السبت - 15 أغسطس 2020
السبت - 15 أغسطس 2020

رؤية التاريخ من ثقب الحاضر

العدالة العرقية تعاظمت فصولها بعد اغتيال «جورج فلويد»، وسط حراك واسع مناهض لرموز التمييز العنصري، وها هي الجموع الغاضبة تهدم وتغرق التماثيل، لا لشيء إلا لكونها لشخصيات تاريخيَّة كانت معروفة بتمجيدها للاستعمار، أو مساهمتها في ظاهرة العبوديَّة، أو تكريسها للعنصريَّة.. وهكذا تمت إدانة الخلفيات العنصريَّة التاريخيَّة من خلال الفوضى وتحطيم الرموز، غير أن الثورات العنصريَّة بحاجة إلى قليل من ثقافة الوعي الحضاري والأخلاقي، كي تحقق كثيراً من العدالة والمساواة.

ونحن فيما يبدو بصدد إعادة رؤية التاريخ من ثقب الحاضر، فالاحتقان الحاصل انحصر على أعمال شغب وحرق وتدمير المال العام، بعيداً عن الوعي الحضاري المطلوب، ولهذا يتم تدنيس التاريخ الحاضر بالغوغائية والبلطجية، فيظل الواقع المأزوم يعاني من غياب المساواة العرقيَّة؛ لذا كان من المفترض إعادة النظر في مفهوم العدالة والمساواة والحريَّة الأمريكيَّة التي تتظاهر بالعدالة، ومدى إخفاقها في معالجة الاختلالات الاجتماعيَّة العميقة، لتنكأ اليوم جراح الظلم العرقي.

لقد تجاوزت الاحتجاجات أهدافها السامية، والانتقام بأثر رجعي من شخصيات تاريخيَّة من أجل التخلّص من ربقة العنصريَّة، ومحاولة تصحيح الماضي بدون مراعاة الفروق الزمنيَّة والضوابط التاريخيَّة، والاستفادة من الدروس والتراكمات الحضاريَّة للأمم، مما يؤكد أننا حقاً بحاجة إلى ثقافة حقيقية، لا تحكمها نوازع الكراهية والتعصب.

كما أنه لا يمكن محو التراث السيئ لأي أمة عبر تحطيم التماثيل، أو تمزيق كتب التراث، أو خلق الفوضى والبلطجة وخروج مناطق عن السيطرة لأجل محاكمة ومساءلة الذاكرة التاريخيَّة، لكن الأفضل والأصوب هو ترميمها، والبناء عليها بأفكار خلاقة، وقرارات صائبة.

#بلا_حدود