السبت - 23 يناير 2021
Header Logo
السبت - 23 يناير 2021

العمل والفن.. كيان ثقافي

د. عائشة الدرمكي
أكاديمية من سلطنة عمان، متخصصة في سيميائيات اللغة، لها مجموعة من المؤلفات في التراث وسيميائيات النص، تنشر مقالات في مجلات ثقافية عربية متعددة.
يعد العمل من أهم النشاطات الحركية التي يتميز بها الإنسان، وتشغل حيِّزاً كبيراً من حياته اليومية، فهو ظاهرة مرتبطة بالنمو الثقافي والحضاري للمجتمعات بوصفها أنشطة إنتاجية ذات بُعد إنساني اجتماعي واقتصادي، ولأنه مرتبط بالإنسان في جوهره، وبالمجتمع في تطوره ونموه، فإنه سيتمثل حالة من الميل التلقائي والارتباط العاطفي، بل والرغبة واللذة عند تحقيق الأهداف.

وعلى الرغم من أن العمل يرتبط في شكله الخارجي بالحاجة الاقتصادية، سواء أكانت بأجور مباشرة أم كانت إنتاجية غير مباشرة (مثل العمل في مزارع الأسرة وعمل المرأة في منزلها وغيرها)، كلها تقوم في الأصل على اعتبارات اجتماعية ثقافية ضمن دوافع وغايات محدَّدة، وهو الأمر الذي يجعل البعض يعتقد أن العمل يبتعد عن الإمتاع والترفيه، والحال أن العمل منذ القدم ارتبط بالعديد من وسائل الإمتاع والمؤانسة، فقد عرفت الأمم العديد من المصادر التي تحدثنا عن الأغاني والأهازيج، بل والأداء الحركي المتقن المرتبط بالأعمال بأنواعها المختلفة.

لقد عرفت منطقة الخليج بشكل خاص كثيراً من تلك الأهازيج والأغاني، التي يدندنها العامل أثناء أداء عمله سواء أكان يعمل منفرداً أو في جماعة، حيث كانت أغاني البحر وفنونه وشلاَّته مرتبطة بالإنسان في المنطقة، فهناك أغانٍ مميزة لكل عمل من أعمال البحر، سواء في سفن الرحلات التجارية أو سفن الصيد، فعُرف فن (الشوباني)، وغناء (التصويت) أو (الصوت البحري) في سلطنة عُمان التي تسخدم الإيقاع لضبط الغناء وتوحيد القوة في العمل العضلي الذي يقومون به، بالإضافة إلى شحذ الهمة والعمل بحماسة وغبطة، ما يُسهِّل على الصيادين رحلتهم الشاقة.


كما أن هناك العديد من الفنون الشعبية والشلاَّت المرتبطة بالمهن الزراعية والرعي، من ذلك (غناء التبسيل)، و(غناء الجداد)، و(غناء الجازرة)، و(غناء التصييف)، و(غناء الحرث) وغيرها، التي تمثل كلٌّ منها مرحلة مهنية معينة في الزراعة، بالإضافة إلى فنون البادية كـ(تغرود البوش)، و(تغرود الخيل) وغيرها، وكل تلك الفنون في ارتباطها بالعمل تعكس حالة الإمتاع والرضا النفسي التي يظهر بها العامل في هذه المهن، وبالتالي قدرته على تحقيق أهدافه.

إن التراث الثقافي الغنائي المرتبط بالعمل يقدم حالة من النشاط الحركي والقولي الترفيهي، الذي يجعل من العمل طاقة إنتاجية اجتماعية وثقافية قبل أن تكون اقتصادية، كونه يوازن بين الطابع الترفيهي وقوة الإلزام العملية.. إنه فكر الثقافة المجتمعية التي تجعل العمل جزءاً عاطفيّاً مرتبطاً بالفرد وكيانه.
#بلا_حدود