الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021

وللتشدد مزايدات

عبدالله فدعق
فقيه ومفكر إسلامي، درَّس الحديث وعلومه، والتربية، والقانون الإسلامي. عضو في العديد من المراكز والمجالس والمؤسسات والمنتديات الشرعية والثقافية والاجتماعية. يشارك في تقديم الاستشارات، وقضايا التحكيم، وطبع له بعض ما أعده وجمعه.

تضافرت نصوص العلماء على أنه «إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك»، وأنه «إذا اجتمعت المفاسد المحضة، فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد»، وأن «الاحتياط في جلب المصالح ودرء المفاسد»، وأن «درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح»، وأن «بعض الحقوق تقدم على بعض بحسب ما يترتب عليها من مصالح ومفاسد»، والشواهد على هذه النصوص كثيرة جداً، ومبسوطة في الكتب المعروفة..

ما تقدم، وغيره، يؤكد أن الشريعة جاءت لمراعاة التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم، والقاعدة المعاضدة لذلك مشهورة بين المتخصصين بقاعدة التيسير ورفع الحرج، ويقويها ويشهد عليها قوله تعالى: {يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، سورة البقرة: الآية رقم (185)، وقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ}، سورة المائدة: الآية رقم (6)، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، سورة الحج: الآية رقم (78).

وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَسِّـرَا وَلاَ تُعَسِّـرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا»، صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلاَفِ فِي الحَرْبِ، وَعُقُوبَةِ مَنْ عَصَى إِمَامَهُ، حديث رقم (3038)، وأنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً»، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»، صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا»، حديث رقم (6128)..

الخالق، سبحانه غنيٌّ عن خلقه أجمعين، قال تعالى: «إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنْكُمْ..»، سورة الزمر: الآية رقم (7)، وهذا يؤكد أن المتشددين والمتنطعين لا مكان لهم في ساحة الفقهاء الحقيقيين الذين اعتمدوا التيسير في أقوالهم وأفعالهم، ونصائحهم وإرشاداتهم، ومنهم التابعي الجليل سفيان الثوري، الذي قال رحمه الله: «إنما العلم عندنا الرخصة من الثقة، أما التشدد فيحسنه كل أحد»، كما نقله عنه الإمام ابن عبدالبر في كتاب (جامع بيان العلم وفضله)، والإمام النووي في كتاب (آداب الفتوى)؛ وليس أن يصير التشديد «مُزايَدات» حتى يصير البطل في الناس مَن «يتشدد فوق تشدُّد المتشدِّدين».

#بلا_حدود