الاثنين - 28 سبتمبر 2020
الاثنين - 28 سبتمبر 2020

احذر يَدَك.. ألف مرَّة

في مطلع القرن الـ20 حذر د. شبلي شميل الإنسان من يده، كان شميل جديداً في ذلك، فالتراث العربي مليء بتحذير الناس من ألسنتهم، شعر قديم وأمثال شعبية أخطر من اللسان، أما اليد فالأمر جديد ومختلف.

كان شميل طبيباً سورياً جاء إلى مصر وعاش بها، يكتب في صحفها ويصدر كتبه ودراساته العلمية، كانت آراؤه وما تزال مثيرة للجدل حتى يومنا هذا، هو الذي قدم نظرية داروين للقارئ العربي، ما أثار عليه القوى المحافظة والمتشددة في المجتمع العربي كله، وفي العموم كان شميل من دعاة الأخذ بالتقدم العلمي في مناحي الحياة، واستبعاد الكثير من الأفكار والمفاهيم المتوارثة.

ولأنه طبيب لاحظ أن نسبة انتشار كثير من الأمراض وانتقال العدوى يتم عن طريق اليد، أكثر منها عن طريق الفم وتناول الطعام والشراب، وهكذا كتب سنة 1908 في جريدة «الأخبار» المصرية ـ ليست جريدة الأخبار الحالية ـ مقالاً بعنوان: «لحس الأصابع»، رصد فيه عادة سيئة، وهي أن يضع الإنسان إصبعه في فمه على لسانه تحديداً، يبلله كلما أراد أن ينقل الحجر وهو يلعب النرد، أو حين يقلب صفحات كتاب أو يقوم بعد الأوراق المالية، وهكذا في أمور كثيرة، بالغ شميل إلى حد القول: إن «اليد أقذر عضو في الإنسان»، وطالب الناس بالتخلي عن المصافحة لأنها حسبه من شر العادات، وطرح الاستغناء عنها بالإشارة.


أنهى شميل مقاله بالقول: «إذا وجب على الإنسان أن يحذر لسانه مرة وجب عليه أن يحذر يده ألف مرة».

لم يكتب شميل رأيه تحت ضغط وباء ما، بل فعل ذلك كطبيب، يشرح للناس قاعدة عامة ويحذر من بعض السلوكيات السائدة، الآن نحن تحت ضغط وباء كوفيد-19، وأرقام الإصابات عاودت الارتفاع في عالمنا العربي من «الدار البيضاء» وحتى الإمارات العربية، مروراً بالأردن وسوريا وفلسطين، وتتجه التوقعات إلى أن الأرقام قد تتضاعف مع حلول الخريف نهاية هذا الشهر، مع ملاحظة أننا على أبواب عام دراسي جديد، وفي بلد مثل مصر فإن عدد التلاميذ في المدارس والجامعات يتجاوز 20 مليوناً بكثير.

المؤكد، أنه لم يتم التوصل إلى علاج ناجع لهذا الوباء، لينقله من الحالة الوبائية إلى أن يصبح مرضاً عادياً أو موسمياً كالزكام، لذا تبقى عوامل الوقاية الشخصية هي الأساس، وأبرزها تجنب استعمال اليد في المجاملات الاجتماعية، وفي بعض السلوكيات التي يمكن الاستغناء عنها، خاصة أن العلاج مرهق لاقتصاد الدول، ناهيك عن أنه قاتل ومميت للأفراد.
#بلا_حدود