الاحد - 25 أكتوبر 2020
الاحد - 25 أكتوبر 2020

أنصت لعالمك الداخلي

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
نحن نتعرف على العالم وندير علاقتنا معه، عبر خمس حواس ظاهرة ومباشرة، هي اللمس، الشم، التذوق، البصر، والسمع، هي كفيلة بأن تمنحنا صورا ومعلومات واضحة عما حولنا، وقادرة على تحليل تلك المدخلات وتحويلها إلى خبرة خاصة تتحكم في مشاعرنا وسلوكنا ومواقفنا العقلية والعاطفية، لكن ثمة مصادر أخرى للمعرفة والتعامل مع العالم غير هذه الحواس (الظاهرة)، إنها مصادر خفيَّة، قد تكون أكثر تأثيراً في حال تم التركيز فيها

أحد هذه المصادر هو الحدس، وهو خبرة عميقة في العقل اللاواعي، تتجلى إلى العقل الواعي في صيغة صوت يبرز فجأة في لحظة خاطفة، حاملا معه تنبيها خاصا، أو حلا معينا لمشكلة ما، أو يتملك المشاعر في اتجاه محدد يرشد الإنسان للتوقف عن أمر ما أو الاستمرار عليه.

كثيرون لا يصدقون هذا الصوت حين يقفز في صدروهم وأذهانهم، البعض وفي ثقافتنا المحلية «يتعوذ من إبليس» بوصف الإحساس المباغت وسوسة شياطين، لكن كثيرون آخرون تدربوا على الإنصات له، واقتفاء أثره، بل وتنميته.


كيف يتشكل صوت الحدس؟.. صحيح أن الحدس إحساس غريزي، لكنه ينمو ويصبح أكثر مصداقية مع وعي الإنسان بأهمية تغذيته بالمعلومات الكافية، الأشخاص من ذوي الحدس القوي هم الذين يتميزون بقوة الملاحظة لما يدور حولهم وانتظامها في رصد كل جديد، وهم بذلك أعمق تفكيراً وتأملاً، ومخططون جيدون لحياتهم، ويتميزون بروح متفائلة تمكنهم من الاستفادة من أخطائهم وإعادة استثمار الفرص، إن الممارسات السابقة تجعل الحدس أكثر يقظةً ووعياً، ومبرمجاً نحو خدمة رغبات صاحبه وطموحاته.

قوة أخرى من قوى العالم الداخلي هي المخيلة، والفارق بينها وبين الحدس، أن الحدس غريزي في طبيعته، والمخيلة صناعة ذاتية مقصودة من الفرد لتحفيز قواه نحو تحقيق طموحاته، فحين تتخيل نفسك في صورة ما، في موقع ما، في حال معين، فإن جميع حواسك سترصد الطرق المؤدية نحو تحقيق ذلك الخيال، فكل الاختراعات، وكل البطولات، وكل الأعمال الفنية العظيمة، بدأت من وحي الخيال، ثم تبلورت وصارت حقيقة.

التمرن على الإصغاء للقوى الداخلية يعيد بناء إيمان الإنسان بنفسه، وثقته في قدراته الذاتية بعيدا عما توفره له الحياة، وهي مهارة استقرائية واستبطانيه للخبرات التي يمر بها المرء، وإعادة تشكيلها لبناء الصورة المرغوبة للمستقبل، وهذا لا يعني أن يتجاهل المرء معطيات الواقع والحقيقة، بل أن يعتني بروحه ويتأمل في عالمه الداخلي، وما يمتلكه من أسرار وقدرات وملكات قادرة على تغيير معادلات الواقع.
#بلا_حدود