الثلاثاء - 26 يناير 2021
Header Logo
الثلاثاء - 26 يناير 2021

أوَكلّما اشتهيتم.. اشتريتم

خليفة جمعة الرميثي
كاتب إماراتي حاصل على درجة الماجستير التنفيذي في القيادة والتطوير من جامعة هارفارد، وبكالوريوس الإدارة الدولية من الولايات المتحدة، له كتابات في العديد من الصحف المحلية والمجلات العربية.
إذا سألت والدك أو جدك سوف يخبرانك أنهما عاشا أوقاتاً صعبة، وكانت لديهما طرقهما المبتكرة للحفاظ على الطعام وادخاره، عن طريق التجفيف والتمليح، بهدف المحافظة عليه وأكله عند الحاجة، ويعتبر في فترات زمنية كثيرة أحد وسائل الإنسان للتبادل التجاري، لذلك كان الحرص على حفظ ما يتوفر من مؤونة أو طعام أو ملابس للاستفادة منه في الأوقات الصعبة، حيث كانت الأسر قادرة وبأفكار بسيطة أن تصنع فارقاً كبيراً في حياة أفرادها، وتساعدهم على المضي إلى ما هو أبعد من الاحتياجات الأساسية، وقِسْ على ذلك أموراً كثيرة مكَّنت الأسر العربية من العيش بكرامة مع ضيق العيش وصعوبة الحياة.

عائلات اليوم تطمح في امتلاك كل شيء، وسيطرت الأنانية والنرجسية على أغلبها، وأصبح التهافت والاستهلاك المفرط قاعدة ثقافية جديدة تقيس عليها معظم الأسر مدى سعادتها، وأصبحت مسألة الادخار وتوفير مبالغ مالية تحسباً للأزمات والمشكلات المستقبلية في ذيل الأولويات، وقد تتجاوز في بعض الأحيان دخلها فتضطر إلى الاقتراض من أجل إشباع (الجوع البشري) لشراء أمور كمالية.

لقد برزت عدة أزمات مالية تسببت بفقدان الكثير من الناس لوظائفهم أو تجارتهم، وآخرها كانت جائحة كورونا، ولأن ثقافة الادخار لا يطبقها أغلب الناس تسبب ذلك بأزمات مالية لكثير من الأسر.


وهنا نسأل: ما الذي غيّب ثقافة الادخار عندنا؟ ولماذا لم يعلّم آباء وأمهات هذا الزمان أبناءهم مهارات الادخار لمواجهة مصاعب الحياة، وترتيب الأولويات في حياتهم، كما فعل آباؤهم وأجدادهم؟

بعض الأمهات والأباء تربوا على الادخار لأن ظروف أسرهم كانت صعبة، ولكن بعد أن (ترتبت أمورهم) أصبحوا ينفقون (كمن لا يخشى الفقر)، وربُّوا أبناءهم على هذا الأسلوب في الصرف والإسراف.

وصدق ابن خلدون حينما قال: (إن الأوقات الصعبة تصنع الرجال الأقوياء، وهؤلاء الأقوياء يصنعون أوقات الرخاء ولكن أوقات الرخاء تصنع رجالاً ضعفاء).

ورأى عمر بن الخطاب لحماً في يد جابر بن عبدالله فقال: ما هذا يا جابر؟

قال: اشتهيت لحماً فاشتريته.

فقال عمر: أَوَكلما اشتهيت اشتريت يا جابر

إن مقولة عمر حكمة اقتصادية بالغة، مفادها: ألا نصرف أموالنا إلا فيما نحتاجه، والابتعاد عن الفكر الاستهلاكي من خلال معرفة الفرق بين الحاجة والرغبة، وبين الضروري والكمالي، لأن التبذير سلوك غير محمود له عواقب وخيمة، واسأل المديونين والمسجونين يخبروك اليقين.
#بلا_حدود