الاثنين - 08 مارس 2021
Header Logo
الاثنين - 08 مارس 2021

التَّسلِّي بالتضليل.. والتجهيل

د. حميد الكفائي
صحفي وروائي عراقي، متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يعمل في تقييم الأبحاث العلمية لمراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية. له مؤلفات في اللغتين العربية والإنجليزية. يكتب ويحاضر في العلوم السياسية والاقتصاد والإعلام.

استخدم الإنسان التضليل منذ الأزل لأغراض سياسية وتجارية، تستهدف إضعاف الخصوم والتفوق عليهم، ودوافع التضليل كثيرة، لكنها تتمحور حول الأنانية والسعي إلى الغلبة والانتفاع.

المستفيدون من التضليل هم قلة قليلة، بينما المتضررون هم الغالبية، خصوصاً الذين يصدِّقون بما يردهم من معلومات، دون فحص أو تمحيص، ولا يمتلكون القدرة على التمييز بين الغث والثمين.

ومن نتائج التضليل العشوائي إثارة الكراهية، التي تقود إلى العنف أحياناً، خصوصاً بعدما تحول التضليل والتجهيل إلى هواية عند كثيرين، لا يبتغون من ورائها سوى التسلية والشعور بالنجاح والغلبة، حتى وإن أدى هذا «النجاح» إلى إيذاء الآخر، دون أن يحقق أي منفعة ملموسة لممارسيه.

ورغم أن التضليل ليس ظاهرة جديدة، بل رافقت المجتمعات البشرية منذ القدم، لكن خطورته آخذة في التزايد بسبب سرعة انتشار (المعلومة) عبر وسائل الإعلام والاتصال الحديثة.

ومنذ انتشار وسائل التواصل الاجتماعي قبل عقدين تقريباً، أصبح التضليل خطراً حقيقياً يتهدد المجتمعات جميعاً، وبالأخص المجتمعات الفقيرة، غير المحصنة بالمعرفة، فعندما تطلق (معلومة) كاذبة ضد فئة مجتمعية معينة، فإن كثيرين يصدقونها ويعملون بها، سلباً أو إيجاباً.

والغريب أن وسائل الإعلام والتواصل، التي وجدت من أجل النفع العام ونشر العلم والحقيقة، أصبحت تستخدم لنشر الجهل وتضليل الناس وتجهيلهم، وفي بعض البلدان أثارت حروباً أهلية، وحتى إبادة جماعية لبعض الأقليات.

ويعتقد مراقبون ومتخصصون بأن التجهيل والتضليل المتعمد وانتشار خطاب الكراهية عبر الحيز السيبراني، كانت وراء اندلاع أعمال العنف الأخيرة في البلدان الآسيوية، كإندونيسيا وميانمار، وطالت طائفة الروهينغا المسلمة.

ودفعت هذه الأحداث حكومات الدول الآسيوية إلى سن العديد من القوانين التي تمنع «التجهيل والتضليل وخطاب الكراهية» من أجل حفظ الأمن القومي، لكن هذه القوانين أثارت منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن حرية الرأي باعتبار أنها تنتهك حقوق الإنسان وتستهدف حرية الرأي، وتهدف إلى تكميم الأفواه وفرض القيود على الآراء الناقدة، تحت ذريعة «حفظ الأمن القومي».

أسئلة كثيرة تطرح الآن في الأوساط العلمية منها مثلاً: ما هو تأثير «الأخبار الكاذبة» على المجتمعات عامة، وأنظمة الحكم الديمقراطية خاصة؟، وكيف يمكن تنظيم الحيز السيبراني قانونيّاً دون التجاوز على حرية الرأي؟، وهل هناك علاقة بين الإعلام الإلكتروني وتصاعد النزعات الاستبدادية والعنصرية؟

مراكز الأبحاث والجامعات مدعوة لتقديم الأجوبة، ولا شك أنها ستتولى هذه المهمة.

#بلا_حدود