الاثنين - 19 أبريل 2021
الاثنين - 19 أبريل 2021

هل الوساطة كائن حي؟

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن مشروع قانون إماراتي اتحادي بشأن الوساطة في تسوية المنازعات المدنية والتجارية يُرتقب صدوره قريباً، وطرحنا سؤالاً: ما هي الممكنات المطلوب تفعيلها لتحقيق الغايات المنشودة من إصدار هذا القانون؟

الإجابة أن الوساطة ببساطة ـ كآلية لتسوية المنازعات ـ هي أشبه بكائن حي يحتاج إلى بيئة خصبة وحاضنة توفر له العيش والنماء وليس فحسب الترحاب بالميلاد، فهناك دول لديها قانون مستقل للوساطة لكن «الوساطة» لديها أشبه بجزيرة منعزلة تعاني غياب الوعي بأهميتها وتفعيل منظومتها والخصومة بينها وبين باقي أبواب العدالة المتعددة.

تحتاج الوساطة، باعتبارها كائناً حياً إلى أن نوفر لها 3 ممكنات أو حاضنات رئيسية هي: «تحديد مكانة الوساطة بين آليات تسوية المنازعات»، و«فاعلية وتكاملية العلاقة بين الوساطة والقضاء»، و«حرفية تأهيل الوسطاء»، فأما عن تحديد المكانة، فيجب تقديم الوساطة لمجتمع الأعمال بمعانيها ومبانيها وغاياتها ومميزاتها وقيمها ومؤسساتها الفاعلة، خاصة في منازعات الجائحة وما بعدها، فالوساطة هي «منصة تسوية» ومرفأ «عدالة الاتفاقية الخلاقة» أو «العدالة المساندة»، وبالتالي يجب أن تكون مكانتها واضحة المعالم بين المؤسسات العدلية والشركاء بالدولة حتى لا تضيع معالمها وتصبح كائناً وُئد قبل أن يُولد.


المُمكن الثاني، فاعلية وتكاملية علاقة الوساطة مع القضاء هي أحد أهم مقومات النجاح، فلا ينظر إليها أنها ستحل محل القضاء، ولكنها وسيلة مُكَمِّلة أو مساندة له، إذ تساعده على أداءِ مَهامّه بفاعلية ومرونة، سواء عبر الوساطة القضائية أو المؤسسية، ثم تحقيق العدالة الناجزة ليتفرغ القضاء لنظر الدعاوى التي لا يُمْكِن تسويتها بالوساطة، ويمكن تلخيص تلك العلاقة التكاملية في أن «القضاء يبقى بالوساطة كما بقي بالتحكيم، والوساطة تقوى بالقضاء»، لأن القضاء هو الملاذ الأصيل، والوساطة هي المساند البديل، فكل وساطة تنتهي (بمحضر صلح) أو (اتفاق تسوية) لن يرى النور إلا من خلال القضاء الحاضن والداعم للوساطة.

أما عن المُمكن الثالث للوساطة فهو «حرفية تأهيل الوسطاء»، فيجب أن يكون التمكين ليس مجرد دورات وندوات، ولكن أيضاً وفق مساقات أكاديمية في الجامعات مقرونة بممارسات وشهادات معتمدة من مؤسسات للوساطة تتمتع بالموثوقية، مع إجراء مقارنة معيارية مع الدول التي حققت مكانةً ريادية في الوساطة المدنية والتجارية، وسنواصل في المقال االمقبل الإبحار نحو موانئ استشرافية حققت نجاحات وإنجازات في تسوية المنازعات.
#بلا_حدود