السبت - 15 مايو 2021
السبت - 15 مايو 2021

رمضان في التاريخ

بحلول شهر رمضان، تذكَّرتُ حادثة وقعت لي فيه، وأخال ـ إذا لم تخني الذاكرة ـ أنها في عام 1991.. في تلك السنة قرَّرتْ إدارة البرامج في إذاعة موريتانيا إعداد برنامج يومي عن الأحداث الكبرى التي جَرت في هذا الشهر بعنوان «رمضان في التاريخ»؛ ليدرك الصائمون أنه ليس شهر كسل وخمول، وقد كُلِّفتُ بإعداده.. حدَّدت مع زميلي أحمد بن الحُباب ـ رحمه الله ـ 30 حدَثاً لحلقات البرنامج، بدءاً بنزول الوحي، ومروراً بمعركة بَلاط الشهداء، حتى وصلنا إلى حرب رمضان 1973.

لكن بقيت معركة لم أَتأكَّد من وقوعها في رمضان، وهي «معركة البُوَيْب» التي جرَت سنة 13هـ (634م) بقيادة القائد العبقري المثنى بن حارثة الشيباني، فقرَّرتُ البحث عنها في أمَّهات الكتب كـ«تاريخ الأمم والملوك» للطبري، و«البداية والنهاية» لابن كثير، وكنت متيقِّناً أنَّ تلك المصادر ستشفي غليلي.

كانت عندي كتب في البيت، لكن لم أتصوَّر أن يكون أحدها يحتوي على هذه المعلومة، لذلك لم يرد في خاطري لحظة واحدة أن أطالعها لهذا الغرض، وفيها كتاب من مقرَّرات التاريخ للإعدادية ـ على ما أظن ـ مطبوع في السعودية، كان قد أهداني إيَّاه أحد أقاربي مع كتب أخرى.


كان الناموس منتشراً في نواكشوط، وكنت لا أنام إلا تحت ناموسية تفادياً للَسْع هذه الحشرات الضارَّة، لكن تلك الناموسيَّة تحتاج إلى أشياء توضع في جنباتها وأركانها لتثبيتها على السرير حتى لا ينفذ منها البعوض.

وذات ليلة، أخذتُ الكتاب المذكور وكتباً أخرى لتثبيت الناموسية، لكني، قبل أن يغشاني النُّعاس، بدأتُ أقرأ صفحات منه تمهيداً للنوم، ولا أدري لِمَ اخترتُه بالذات، هل هو إلهام أم إحساس داخلي، أم مجرَّد مصادفة؟ المهم أن ذلك حدث.. لم أقرأ كثيراً من صفحاته حتى وقعتُ على عنوان يقول «معركة البويب»، فبدأتُ أقرؤه بشوق شديد فوجدت ضالَّتي؛ وهي أن المعركة وقعت في رمضان وأن المثنى أفتى الجيش بالإفطار، لأنها كانت شاقَّة، فقد واجه المسلمون فيها جيشاً من الفرس يزيد على عددهم أضعافاً كثيرة.

كان اهتمامي بهذه المعركة نابعاً من إحساسي بأهميتها التكتيكية والاستراتيجية، ففيها استعاد المسلمون معنوياتهم بعد هزيمتهم الساحقة في «معركة الجسر»، وهي كانت مُمهِّدة لمعركة القادسية الحاسمة؛ لذلك وصفها ابن كثير بأنها «بالعراق نظير اليرموك بالشام».
#بلا_حدود