الخميس - 13 مايو 2021
الخميس - 13 مايو 2021

الدين والفلسفة.. قديماً وحديثاً

محمد زاهد غول
كاتب وباحث تركي، رئيس مركز شرقيات للبحوث بإسطنبول، ورئيس تحرير الإندبندنت التركية، له العديد من الكتب وعشرات الأبحاث والمقالات في الشأن التركي، كما ترجم عدداً من الكتب من التركية إلى العربية
لا خلاف على أن الدين في الحياة البشرية أسبق تاريخياً من الفلسفة، فقد بدأت الحياة البشرية مع خلق آدم وحواء عليهما السلام في قصة بدء الخلق، وقد وُجد للفلاسفة قديماً دعوات كثيرة لتنمية وعي الإنسان، وتحسين مقومات حياته في الدنيا، كما وجدت الفلسفة لها مكاناً ودوراً في تكوين الثقافات الفلسفية الدينية في كل المعتقدات الدينية وغيرها، كمكانتها في التراث الإسلامي، والهندوسية واليهودية والمسيحية وغيرها.

ظهرت الفلسفة في التراث الإسلامي بحدود القرن الثالث الهجري، وتزامن انتشارها وتوسعها مع عصر التدوين في القرنين التاليين، أي أن الفلسفة الإسلامية ولدت في رحم الثقافة الإسلامية بالرغم من ثبوت تواصلها مع الفلسفات اليونانية والثقافات الدينية السابقة، ولكنها في تاريخ ولادتها لم تُنْجب لتكون معادية للدين، فالفلاسفة المسلمون الأوائل لم يؤسسوا فلسفتهم لمعارضة المتدينين، بقدر ما سعوا لإيجاد حضور لهم في البحث العقلي والعلمي خارج دائرة الكتابات الدينية عند علماء الكلام أو الأصوليين أو الفقهاء، فقد شكلوا دائرة بحث وتصنيف وثقافة خارج دائرة التأليف الديني المحض، ولكنه ليس خارجاً عنها.

وكان من بين علماء المسلمين من جمع بين الدين والفلسفة جمع توافق كما فعل أبو حامد الغزالي (511هـ)، في كتبه مقاصد الفلاسفة، ومحك النظر، ومعيار العلم وغيرها، وعند الضرورة جمْع تناقض كما فعل الغزالي نفسه في كتبه تهافت الفلاسفة، وفضائح الباطنية، والقسطاس المستقيم وغيرها، وكذلك يمكن القول مع مصنفات ابن رشد الأندلسي (585هـ)، في محاولة تأكيده ما بين الحكمة والشريعة من اتصال، وبهدف توظيف الثقافة الفلسفية للتقارب مع الثقافة الدينية، بينما تتعاظم جهود الفلاسفة المحدثين لإثبات التنافر بينهما، إما بدوافع تقليد الفلسفة الغربية مع الدين الكنسي، أو بدوافع التعارض بين وجود آدم وحواء وعدوهما على الأرض.


ربما وقع فلاسفة المسلمين المحدثين في أخطاء جسيمة عندما جعلوا الثقافة الفلسفية منافسة للثقافة والفكر الديني، وهذا الخطأ الذي لم يقع فيه فلاسفة المسلمين الأوائل، فقد جعلوا من فلسفتهم الإسلامية هاضمة وربما حاكمة على الفلسفات الوافدة، لأن الشعور بالتبعية والانقياد للفلسفة الخارجية معيب وربما تهمة جاهزة بالزندقة، وبالأخص عند استعمال الفلاسفة المصطلحات الفلسفية الأجنبية بطريقة استعلائية أمام مجتمعاتهم المتدينة، فإن من الأهمية ألا تقدم صورة الفلسفة في البلاد الإسلامية الحديثة كمشاريع لإقصاء الدين في نظر المسلمين، وإنما جعلها منهجاً في المعرفة والبحث والوصول إلى الحقيقة.
#بلا_حدود