الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

«الضَّجر المفتتن بنفسه»

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

أول سفر لي خارج العراق، كان رحلة برية.. قررت فيها وأنا أتأمل من خلال النافذة الطريق المتعرج الطويل، أن أمنع نفسي عن أي شعور بالاندهاش، وهكذا قلت لنفسي:

ــ إن كل ما في هذا العالم يجب أن يكون عادياً بطريقة لا تستحق إظهار أي ردة فعل.

ربما جاءتني هذه الفكرة المشاغبة بسبب الروتين الذي وجدت بداخله، أو لأنني كنت حينها أعتبر العراق هو حدود العالم، وليس هناك في الخارج ما يثير الدهشة.

وصلنا إلى مشارف بيروت.. شاهدت الجسور العالية التي تحيطها الأشجار الخضراء الكثيفة من كل جانب، بينما يلتمع البحر من بعيد مثل مرآة ساطعة تدور ببطء تحت الشموس.. حافظت على حيادية باردة وغريبة وأنا أردد في داخلي:

ــ أن لا شيء يدعو للبهجة.

كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها بحراً وساحلاً رملياً يكتظ بالناس، وهم يتقافزون فوق أمواج، تتدافع نحوهم بجنون.

جلست غير عابئة، فضلت مع نفسي أن أندرج في دهشتي الخاصة مع عالم رواية «حدائق النور»، على أن أظهر لأهلي أي شعور بالاسترخاء.

مرت الأيام، وجبت جغرافيات جديدة في هذا العالم، لكني لا أزال نادمة على حرمان نفسي من الدهشة الأولى، التي لو كنت قد أوليتها قدراً من اهتمام، لبقيت تخفق في ذاكرتي إلى الأبد، وتلك هي دهشة الأشياء الأولى التي لا يفارقها السحر.

يصف الفيلسوف سارتر صديقته المفكرة سيمون دو بوڤوار: «أن أكثر ما جعلها فيلسوفة مذهلة واستثنائية، هو اندهاشها الطفولي المستمر مع كل مشهد تمر فيه»، ذلك لأن في هذا الفعل، استعادة قصديَّة للطفولة.

اختبار الأشياء للمرة الأولى، يحيلك بالضرورة إلى جوهرها، فالطفل يشاهد الأشياء من دون تعريفاتها النظرية وموقعها الثقافي، يراها تماماً كما هي أو كما تتبدَّى في وعيه بمعزل عن تاريخها.

فمن أكثر الحيل الطاردة للملل والروتين، هي مراقبة الحياة كما لو أنها تحدث تواً؛ تفحصها بشيء من الدهشة الساذجة ومراقبتها بعيون ذاهلة، وهذا هو الميلان الذي يورِّطك في رقصة مستمرة مع الوجود.

فحياتنا التي تنقصها لذة عدم توقع الأشياء، جعلتنا في مراقبة دائمة لتصّير حياة الآخرين دون أن نتحرك من مكاننا، وشيئاً فشيئاً بدا وكأننا نعيش في كهف أفلاطون، حيث تتراقص ظلال الآخرين مثل أشباح هزيلة.

لقد فقدنا حاسة فن الانتباه لما يحدث من حولنا، وفي دواخلنا، على حدٍ سواء.

في السنوات الأخيرة، حاولت أن أدرب نفسي على تأمل كل ما يحدث أمامي كما لو أنه نوع من المعجزة، فجأة استيقظت دهشتي في الحياة مثل طفل يتخطّى باب البيت لأول مرة، ليكتشف أن هذا العالم بلا جدران. وهو عالم مدهش حتى في ضجره.

#بلا_حدود