الجمعة - 22 أكتوبر 2021
الجمعة - 22 أكتوبر 2021

ذاكرة الفصل المقبل..

د. شهد الراوي
روائية من العراق من مواليد 1986، صدرت لها رواية «ساعة بغداد» وترجمت إلى لغات أجنبية عدة، ووصلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وحصلت على جائزة «مهرجان أدنبرة للرواية الأولى» 2018 حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا الإدارية، وشاركت في عدد من المهرجانات الأدبية العالمية والإقليمية.

قبل أيام بدأ المناخ يتغير ويرسل تلميحاتٍ خفيفة قادمة من عمق فصل الشتاء، الذي كان ينتظر في الجانب الآخر من العالم.

عادة، وفي اللحظة الفاصلة التي يطل فيها فصل جديد، تنتعش ذاكرة الناس ويبدأ الهواء الجديد باستفزاز المشاعر النائمة، لتأخذ القصص القديمة موضع الصدارة في التجمعات العائلية. يخرج الإنسان من عالم الأفكار في رأسه وينتبه إلى العالم الخارجي من جديد، إلى التفاصيل الصغيرة التي افتقدها في فصل كامل من دون أن ينتبه لها، وفي هذا تتحقق الكينونة التي وصفها الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، عبر استحالة تحقق تعلقنا بالأشياء من دون أن ننتبه إلى وظيفةٍ ما فيها تعطلت على نحو مفاجئ.

استخدم هيدغر مثالاً لعدم الانتباه هذا في تعطل مقبض الباب فجأة، ومن الممكن أن يحيل هذا الخلل إلى إعادة الانتباه للمقبض الذي جرت العادة على استخدامه دون مقاومة منه.

ففي اللحظة الدقيقة، التي نحاول فيها إصلاح المقبض، ستتحقق ذواتنا المنتبهة إلى ذات المقبض. وبذلك، وحسب هيدغر تتحقق الكينونة.

من هنا تكون اللحظات التي يقرر فيها المناخ تبديل مزاجه من خلالنا هي الأوقات الوحيدة المتبقية من الزمن، لتعيد لنا الانتباه نحو ثقل وجودنا، في وسط هذه الضوضاء الافتراضية التي تلغي قوة تحققنا بتعسف مباغت. فما يفرضه علينا المناخ من طقوس في تبديل الملابس الصيفية، لصالح تلك الشتوية، وإعادة ملء الكازولين في المدفآت، وعودة نشاط ذاكرة الجدات مع لفعاتهن الشتوية، في تدوير إنتاج حكاياتهن القديمة بالقرب من صحون البرتقال الذي أخلى مكانه للقشور، والبخار المنبعث من أباريق الشاي المحلي، وسطوة الإنفلونزا الرحيمة وأدويتها البدائية قبل حلول عصر كورونا.. ما هي إلا ممارسة سنوية تفرضها علينا قوى الطبيعة، التي هي في جوهرها أكثر رسوخاً وجبروتاً من الهشاشة الصارمة لمواقع التواصل الاجتماعي، الذي غيبَ الفضاء الحي من حولنا بالكامل.

في الطبيعة وحدها تتحقق أناتنا من جديد، في ملاطفاتها وهيجانها، في سكونها وتبرمها، يجد الإنسان نفسه في مكانه الأول، الذي تحسس فيه برودة الطين وغابَ في الغابات العميقة وأشجارها الضخمة، يتبلل تحت المطر دون أن يقلق من تعطل «هاتفه» الذي يخاف من الماء، وصار يسحبه دائماً خارج نهر وجوده وإلى الضفة البعيدة الزائفة من الحياة.

هكذا احتفل عشاق الحياة الواقعية يوم الاثنين الفائت بالعطل الجميل لمنصة فيسبوك وشقيقاتها، وهكذا قبضت أنا على ذكرياتي مع سعاداتي القديمة.

#بلا_حدود