الجمعة - 03 ديسمبر 2021
الجمعة - 03 ديسمبر 2021

ارتحال الرواية نحو المسرح

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
المئات من الروايات العالمية حُولت إلى مسرحيات ناجحة، استقبلها الجمهور بحب كبير، وكانت المسرحية إضافة نوعية كبيرة للرواية، أمدّتها بجمهور جديد لم يكن موجوداً.. أي أن المسرحية فتحت أمام الرواية عالماً فسيحاً، كان مغلقاً في وجهها.

وينعكس ذلك عادة إيجابياً على المقروئية، إذ يذهب جمهور المسرح نحو الرواية التي هزّته بعمق بحثاً عن الأسرار المتخفية في النص، لقراءتها، والتمتع بالسّرد والقيام أحياناً بلعبة خفية يتساءل فيها أين «دسّ» المقتبس والمخرج، أسرارهما الفنية، داخل ما كان رواية قبل أن تنتقل نحو المسرح؟ هذا في حالة النجاح وإثارة فضول المشاهد المسرحي، لكن ماذا لو فشل العرض المسرحي؟ هنا تبدأ قصّة أخرى قد يلام فيها المقتبِس بالاجتزاء، أو المخرج، بالنسبة للذين قرؤوا الرواية ولاحظوا الاختلاف الكبير الذي قد يضر بالمسرحية والرواية!

وينسى الغاضبون أن أي عمل مقتبَس هو رهين المُقتبِس والمخرج، والتغيير حقهما الطبيعي، فالسؤال الصحيح ليس في الإخفاق أو النجاح، ولكن في الخيارات والاستراتيجيات التي يتم اعتمادها لإقناع جمهور المسرح. وكيف كانت رؤية المخرج وهو يعتمد على الاقتباس، وربما على الرواية أيضاً ليوسع من نظرته أكثر، والتي لم يلتفت لها المقتبِس مثلاً. ويضطر المُقتبس، والمخرج غالباً إلى تفكيك النص وخلق لحمة جديدة من خلال رؤية تبنياها ويشتغلان عليها من منظور خاص.


فمثلاً ما الرؤية الإخراجية التي تحكّمت في الخيارات المعتمدة؟ وما المسالك التي اختارها ليكون مرتبطاً بالنص، وفي الوقت نفسه مختلفاً عنه، ونافياً له؟ وكيف صنع جمالية جديدة تتقاطع مع النص وتختلف عنه، بل تقوم بمحوه بطريقتها لإحلال المسرح في داخله، مع الحفاظ على خلايا الرواية حية ومتقدة كإحالات مرجعية؟

في أي عمل تحويلي هناك أفق انتظار يظل قائماً إلى أن يتم إنتاج العمل وعرضه على خشبة المسرح. وقبل الحكم على المقتبِس والمخرج وحتى السينوغراف، يجب التنبه لعامل الحرية والخيارات والمسالك التي انتهجها الجميع. وليس هؤلاء مجرد تكملة للرواية، ولكنهم عنصر فاعل بعمق تظهر قوته الإقناعية في المحصِّلة النهائية للعمل.

فالعلاقة بين المسرح والرواية، في النهاية، علاقة عشقية تدفع بأحدهما إلى الذوبان في الآخر، بكل شغف ويقين وثقة، دون نفي هذا لذاك. وكلاهما سند للآخر عندما تتوافر اليد الحية التي تعرف ميزان الأشياء ومقاديرها، بحيث يبقى النص حياً نابضاً في حركة مسرحية هي رديف نشيط للحياة نفسها، وأي ممارسة قسرية تفرض الترديد بدل الإبداع، تقود المشروع، منذ لحظته الأولى، إلى الإخفاق الأكيد.