الأربعاء - 01 ديسمبر 2021
الأربعاء - 01 ديسمبر 2021

فن الرسائل وجحيم النسيان

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
تزخر الآداب العالمية بالرسائل العشقية، بمختلف أشكالها وأغراضها، والجمهور الذي تستهدفه، لدرجة أن أصبحت اليوم فناً قائماً بذاته، له متابعوه وجمهوره العاشق له. قوة الرسائل أنها تكشف خفايا الإنسان، وتعطشه للمعارف، ولمعرفة هويته العميقة، بما في ذلك معرفة الذات في مختلف تحولاتها.

لقد كتب مونتيسكيو «رسائل فارسية» الخيالية بين مسافرين فارسيين أزوبك وريكا. ونُشرت هذه الرسائل في 1721 في أمستردام، انتقد فيها المجتمع الفرنسي بحدة، بعيون المسافرين الشرقيين.

وكتب أبوالعلاء المعري (973-1057) رسالة الغفران الوجودية، ووجهها إلى ابن القارح؛ منتقداً فيها عقليات الغيب الذي يغيّب المعرفة ويعوضها بسلسلة من اليقينيات المريضة التي تلغي العقل كلياً، وتخفي أسرارها الأيديولوجية والتسلطية، مفككاً يقين الأشياء، واضعاً قارئه أمام حيرة وجودية حقيقية، لا يقدم له حلولاً، ولكن مسالك معرفية عليها ارتيادها ومعرفة ما يناسبها.


وكتب ابن حزم الأندلسي (994-1064) رسالته العظيمة في الحب: طوق الحمامة، في الأُلفَة والأُلَّاف، التي جعلت من الحب مادتها الأساسية، ووصفت أشكاله بدقة. وكتب إخوان الصفا رسائلهم السرية: رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء، التي بشروا فيها، في القرن العاشر، بنظم ثقافية وسياسية جديدة ستغير العالم.

وكتب الشيخ النفزاوي، أبوعبد الله بن محمد (ق15) رسالته: الروض العاطر في نزهة الخاطر، بناء على طلب حاكم تونس وقتها، عبدالعزيز الحفصي. واعتُبر كتابه واحداً من أخطر الكتب، ليس في الجنس كما يعتقد الكثيرون، ولكن في التربية الجنسية، أي تحويل الحاجة إلى ثقافة.

وأبوحيان التوحيدي (ق10) كتب رسالة من نوع آخر، رسالة الحرق أو اليأس، أخبرنا فيها كيف أن حرفة الوراقة التي أدركته كانت قاسية عليه ومنعته من الحياة، فأحرق كل كتبه ثم اختلى ليكتب نصه العظيم «الإشارات الإلهية»، ورسالة الحرق هي صرخة يأس في عالم تغير كثيراً ولم يعد يحفل أبداً بالأدب والأدباء.

القصد هنا، بالدرجة الأولى، فالرسائل الحميمية تؤنس الكاتب الغارق عادة في يوميات الكتابة القاسية، ونحن لا نعرف عادة إلا جهده الأدبي والفني وننسى أن وراء ذلك تاريخاً حياً وإنساناً تألم كثيراً. وحتى السير الذاتية تكاد تنعدم، في حين أن الآداب العالمية تزخر بذلك، ويمكننا أن نجد رسائل الكتاب العالميين فيما بينهم التي تكشف وجهاً خفياً غير معروف، وكثيراً ما تجمع وتنشر بعد وفاة الفاعلين الثقافيين، وتشترك في ذلك إرادات كثيرة تتعامل مع شخصية أصبحت ملكاً عاماً وليس فقط للعائلة. كم نحن في حاجة- عربياً- في جمع هذه الذاكرة المنسية، أو التي تم نسيانها عمداً.