الثلاثاء - 07 ديسمبر 2021
الثلاثاء - 07 ديسمبر 2021

ملحمة الإنسان في السودان

سارة مطر
كاتبة وروائية سعودية، حصلت على بكالوريوس في علم الاجتماع، وبكالوريوس الإعلام والعلاقات العامة من جامعة البحرين. يذكر أن معظم مؤلفاتها الستة حازت على وسم الأكثر مبيعاً.
لم أستطع أن أخرج من شخصية مصطفى سعيد في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» لسنوات، ظل اختفاء مصطفى مثيراً بالنسبة لي، ظلت السودان أكثر إثارة، هناك ثمة احتمالات عديدة، شخوص عدة تحدث فيها الراحل الطيب صالح مؤلف الرواية التي حازت على صيت واسع في أواسط الأدباء والكتاب.

وقد اختيرت رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» كواحدة من أفضل مائة رواية في القرن العشرين على مستوى الوطن العربي، ونالت استحساناً وقبولاً عالمياً وتم إنتاجها كفلم سينمائي. وإجمالاً تتناول الرواية في مضمونها مسألة العلاقة بين الشرق والغرب، وتعد من الأعمال العربية الأولى التي تناولت لقاء الثقافات وتفاعلها وصورة الآخر الغربي بعيون الشرقي والغربي بعيون الآخر الشرقي، الذي ينظر إليه كشخص قادم من عالم رومانسي يسوده السحر ويكتنفه الغموض. وقد تطرق الطيب صالح في روايته إلى هذه العلاقة من خلال شخصية بطلها السوداني الذي يذهب ليدرس في العاصمة البريطانية لندن، وهناك يضيف إلى جانب تميزه وذكائه العقلي وتحصيله الجامعي العالي، رصيداً كبيراً في إثبات تواجده مع نساء بريطانيا، الذين احتلوا بلاده مع تقديم صورة ساحرة عن الحياة في المجتمع الريفي السوداني.

من لم يقرأ الرواية فقد تخلى عن أشياء عديدة، تستحق الاطلاع، وقد آلمني اختفاء البطل في أحداث الرواية، وهروبه، ثم خروجه من عنق الزجاجة.


قرأت الرواية في عمر الثانية عشرة، وظللت أحتمي بالشخصية، فهناك ثمة وجع بداخلي، فلماذا اختفى مصطفى؟ ولماذا انغرزت السكين في قلبي؟

ولأني أحب السودان فقد سعدت حينما قرأت أن الشعب السوداني، حصل على المرتبة الأولى كأطيب شعب في العالم، وهذا ما يمكن لأي قارئ أن يتلمسه من خلال روايات الطيب الصالح، الذي لم يكن فوضوياً، لكنه اعتمد على الغموض المبهر والسعي المستهل، وتحديد أوجه صور الأبطال، مع وضع أهداف عدة لهم، واستطراد مثير للغاية، وجعل القارئ غارقاً في التخمين، وأسعدنا في البحث عن مفهوم الحياة الحقيقية.

فالروائيون أمثال الطيب الصالح تقوم أعمالهم، عبر الهدف المعرب عنه من إثارة لقيمة الرواية إنسانياً، والقيمة الأخرى التي يمكن قياسها من خلال الأسئلة، والتوصيف المدهش، والشروع في ملامسة الحقائق.

وكتبت هذا المقال بعد أن حضرت حفل حناء لصديقة من السودان، كنت أكثر سعادة من أي أحد، كنت مفخخة بالدهشة، ممتلئة بالكم الهائل من الشخصيات التي وصفها الطيب صالح في مختلف رواياته.

في السودان ثراء فاحش من الكنوز الغنية بالحياة، وطقوسها وتكوينها البشري.