الاثنين - 06 ديسمبر 2021
الاثنين - 06 ديسمبر 2021

الرواية ليست حيلة لتمرير التاريخ

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
سؤال كبير يضع الرواية التاريخية اليوم- عربياً وعالمياً- في حالة إحراج: كيف نجمع بين التاريخ بوصفه مادة ثابتة وعلمية وأدبية، وترتكز بالدرجة الأولى على الافتراضي والتخيلي؟

ونخطئ حينما نطرح مسألة الرواية التاريخية في أفق إعادة إنتاج التاريخ، وكأن الرواية مجرد حيلة لتمرير مادة مستعصية على القارئ بسبب جفافها، فالرؤية التاريخية تطورت عالمياً بسرعة، لدرجة أن أصبح التاريخ فيها مجرد ظلال وغيوم عابرة، مخلفة وراءها حكاية، أي الرواية بوصفها نصاً أدبياً بالدرجة الأولى، بكل المغريات الأدبية التي تفرضها الكتابة الإبداعية ووسائطها.

الأمر الذي يجعل من الأدب داخل الرواية التاريخية الوسيلة المثلى لدحر التاريخ نفسه بيقينياته، والاحتفاظ فقط بما يخدم الأدبية وليس شيئاً آخر، لهذا من العبث البحث عن صدقية التاريخ في الرواية. وهو ما يؤكده الروائي البريطاني ذو الأصول الباكستانية، طارق علي الذي اختص في الرواية التاريخية، وفق رؤية تنتصر للتخييل في النهاية، بل تقدسه: «الخيال عند الروائي مقدس، والحقيقة مجال للانتهاك، ولا بد أن العكس صحيح عند المؤرخ»؛ إذ يحتمي التاريخ بما هو حقيقي بين قوسين، في حين تشكل مساحات التخييل المجال الحر والمفتوح للرواية.


تلتقي الصرامة مع الحرية، في أرض ثالثة، لا هي أرض التاريخ، ولا هي أرض الرواية بوصفها تخييلاً عاماً، وهذا لا يمنع من أن تكون علاقة التاريخ بالرواية علاقة وطيدة، وعلى العكس من التاريخ وتفرعاته العلمية التي تختص، كما نعرف، بدراسة وتتبع مجموع الأحداث التي تميز حركية الإنسان في الزمن وترصد مجرياتها، تنحو الرواية منحى آخر يتسم بالحرية في الإبداع حتى ولو تعلق الأمر بدفع التاريخ نحو الخلفية.

فالتاريخ لا يهتم في النهاية إلا بالأحداث التي ترسخت وتشبثت بالاستمرار، فتركت حضوراً قادراً على البقاء وعلى التأثير في الإنسان اللاحق لهذا التاريخ، وهذا الأخير بذلك يقف على الطرف النقيض من الرواية، فكيف يجتمعان في أرض واحدة؟

فأساس الرواية بشكل مجرد، لغتها ومتخيلها الذي تنشئه ولا ينتمي إلا لها، وتساؤل جيرار جنيت في هذا السياق يلتقي في نقطة التقاطع بين النوعين، إذ لا أحد منهما بإمكانه أن يتخلص من الآخر، فلكل منهما علاقة حميمة وجوهرية بالتعبير، الحدث، والإنسان: هل وجد يوماً ما متخيل محض؟ أكيد لا، لكن أيضاً حتى يستقيم النوع، يجب ألّا تتحول الرواية إلى تاريخ موازٍ.