الاثنين - 06 ديسمبر 2021
الاثنين - 06 ديسمبر 2021

معاناة المبدع

عبدالله النعيمي
عبدالله النعيمي كاتب وروائي ـ الإمارات
التنمر ظاهرة سلوكية قديمة، لكنها ازدادت وضوحاً وتطرفاً مع ظهور الإعلام الجديد.. جحافل من المغردين، ينهالون بسياطهم على شخص معين اتفقوا على اختياره فريسة لهم.. ولولا ظهور قوانين الجرائم الإلكترونية الصارمة، لما سلم أحد من هذه السياط، ولبقيت مواقع التواصل الاجتماعي حكراً على طيف فكري واحد، لا يجرؤ أحد على مخالفته.

وهذا السلوك المفرط في قسوته أثار في ذهني سؤالاً قديماً متجدداً:

لماذا يقسو الإنسان على أخيه الإنسان؟


الدوافع قد تكون كثيرة.. خلاف فكري، مشكلة شخصية، غيرة وحسد، مسايرة الآخرين في عدوانهم.. تتعدد الأسباب، لكن من الصعب قبول أيٍّ منها، لأن الاحترام حق أصيل لكل إنسان، ومهما بلغ خلافنا معه والكراهية تجاهه؛ فإنها تكون لسلوك معين يبدر من هذا الإنسان، وليس لشخصه.

وقامات فكرية عظيمة، تعرّضت عبر تاريخها لموجات عنيفة من التنمر.. انعكست بشكل مباشر وغير مباشر على صحتهم وحياتهم الاجتماعية، بل- حتى- على عطائهم الإبداعي، وبما أن المجتمع منحهم الحد الأدني من الاحترام الذي يستحقونه، لكانت الاستفادة منهم أكبر.

والمؤسف أن بعد رحيل هؤلاء المبدعين، يبدأ التباكي عليهم والتغني بخصالهم الحميدة وتناقل مقولاتهم.. وكأن قدر المبدع، ألا يجد التكريم الذي يستحقه إلا بعد رحيله.

ما أزال أذكر مقالات التحريض ضد المفكر الكبير الدكتور غازي القصيبي والتي كانت تملأ المنتديات الإلكترونية في أواسط التسعينيات من القرن المنصرم، وكانت تسوق التهم إليه جزافاً، فتارة تصفه بأنه علماني، يسعى لفصل الدين عن الدولة وتارة أخرى تتهمه بالسعي إلى تغريب المجتمع وسلخه عن هويته العربية.

هذه المقالات بادت وأصحابها غاب ذكرهم.. أما أفكار غازي وأطروحاته وكتبه وقصائده.. فما تزال حاضرة ومع كل تداول لها، تلهج الألسنة بالدعاء له والثناء عليه.

ما حدث لغازي وأبناء جيله من المفكرين العرب، حدث للكثيرين قبلهم وسيحدث للكثيرين بعدهم.. فالمجتمعات مجبولة على التعلق بأفكار الماضي ومحاربة كل فكرة جديدة تتنافى مع ما نشؤوا عليه وألِفوه.

في الإمارات لدينا عقول مستنيرة تملك من عمق الرؤية وفيض الحكمة الكثير.. لكن عندما تسألها عن محدودية إنتاجها الفكري تلمس في طيات إجاباتها حذراً مبالغاً فيه من ردود الأفعال في محيطها الاجتماعي.. ولسان حالها يقول: «سِر بعيداً.. وارجع سالماً».

أكثر ما نحتاجه اليوم في وسطنا الثقافي هو تهيئة المجتمع لتقبل الأفكار الجديدة، والعمل على استعادة المرونة الفكرية التي سادت في الستينيات والسبعينيات، وللمتلقي حرية القبول والرفض.