الاثنين - 08 أغسطس 2022
الاثنين - 08 أغسطس 2022

الإدارة الفاعلة

يعتبر عملاق الصناعات الكيميائية الأمريكي «داو كيميكال» من أكبر الشركات الصناعية في العالم، إذ تعمل في 180 دولة وتقدم منتجات تشمل الغذاء والنقل والصحة والدواء والعناية الشخصية والبناء، إلا أنها في الوقت ذاته تعد من أكبر الشركات استهلاكاً للطاقة في العالم، إذ تبلغ كلفتها السنوية من الطاقة ما يقارب 30 مليار دولار، أي ما يعادل مليون برميل من النفط يومياً.

في أواسط التسعينات من القرن الماضي قررت الإدارة العليا للشركة التدخل وخفض فاتورة الطاقة بنسبة 20% على مدى 10 سنوات، وعلى الرغم من أن الهدف كان طموحاً جداً، إلا أن الإدارة قررت المضي قدماً وإيصال الرسالة إلى كل الفئات العاملة في مصانعها ومبانيها في شتى دول العالم، بأن كل توفير مهما بدا صغيراً سيتضخم في مجموعه وينمو، وكل مهندس أو عامل أو ضابط أمن بإمكانه تقديم ما يستطيع من موقعه لبلوغ الهدف، فقبل المحاسبة ولغة الأرقام يجب خلق ثقافة الترشيد وغرسها في عقول الموظفين بحيث تصبح عادة يومية تُنفذ بطواعية.

تطلبت العملية إحداث تغييرات تنظيمية استحدثت إدارة مركزية للكفاءة في استخدام الطاقة، من مهامها البحث عن فرص الترشيد وإيجاد الوسائل المناسبة لتفعيلها، كما تم وضع آليات لقياس الترشيد وتحفيز الموظفين لإبداء آرائهم ومقترحاتهم، وتم اللجوء للتكنولوجيا والحلول المستجدة وإحلالها بدل عن الأنظمة القديمة والكثيرة الاستهلاك.


في نهاية الـ10 سنوات، وبالتحديد في العام 2005 كانت النتائج مبهرة، إذ تم تخطي المستهدف وتوفير مبلغ 9 مليارات دولار مقابل مليار دولار تم صرفها على المبادرات والتحفيز، ولتقريب الصورة، فإن ما تم توفيره من الطاقة يكفي لتزويد جميع ساكني ولاية كاليفورنيا بالكهرباء لمدة عام كامل، لكن إدارة (داو) لم تبالغ في الاحتفال بما أنجزته، بل رفعت نسبة المستهدف في كفاءة استخدام الطاقة إلى 25% لعشر سنوات أخرى قادمة.


كثيرة هي الدروس المستفادة من هذه التجربة الرائدة لكن لعلنا نوجزها في بضع نقاط. فالحديث يجب ألا يكون دائماً عن زيادة الطلب والتوسع في الاستهلاك، بل عن إدارة الطلب نفسه ودراسته بتمعن وترشيد استخداماته، وإن بعض الأهداف الاستراتيجية الطموحة في حاجة لسنوات لتُحدث التأثير المطلوب.

فالصبر مع العمل المستمر وصفة سحرية للوصول الي النتائج المرجوة. ثم إن هناك دائماً بالإمكان أفضل مما كان. والإدارة الطموحة والفاعلة هي التي تتطلع دائماً للتغيير وإحداث نقلة نوعية في العمل لا على قاعدة إن وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمهتدون.