الجمعة - 12 أغسطس 2022
الجمعة - 12 أغسطس 2022

لماذا لا أحب أدب المواساة

الإنسان ضعيف بطبيعته، ويحتاج في مواقف كثيرة يمر بها إلى من يقف إلى جواره ويخفف عنه، ويمنحه جرعات متتالية من الأمل.. ويبدو أن الأدباء فطنوا إلى هذا الأمر منذ قرون طويلة وأسهبوا في الكتابة في هذا المجال.. وأعني به أدب المواساة، والطبطبة على أكتاف المحبطين والمنكسرين والمحزونين.. فقرأنا للإمام الشافعي أبيات جميلة يقول فيها: " دع الأيام تفعل ما تشاء، وطب نفساً إذا حكم القضاء، ولا تجزع لحادثة الليالي، فما لحوادث الدنيا بقاء "..

وقرأنا أيضاً لأبي بقاء الرندي، أبياتاً لا تقل جمالاً عنها يقول فيها: " لكل شيء إذا ما تم نقصان، فلا يغر بطيب العيش إنسان.. هي الأيام كما شاهدتها دول، من سره زمن ساءته أزمان "، وإذا كانت المواساة في أبيات الشافعي مباشرة، فقد لجأ الرندي إلى أسلوب غير مباشر، وهو شرح طبيعة الحياة، وتوضيح استحالة ديمومة السعادة فيها.

إلا أن فقرة قرأتها مؤخراً لجبران خليل جبران استوقفتني كثيراً وأشعلت في نفسي الرغبة في تفنيد مضمونها، ووضعه تحت مجهر التفكير المنطقي.. يقول فيها مخاطباً شخصية مًتخيلة:


" صدقني، لو فقدت ما فقدت.. لو كسر الحرمان أضلاعك.. ستجتاز هذه الحياة كما يجتازها كل أحد، فاختر الرضا، يهن عليك العبور".


كلمات جميلة، وذات مغزى نبيل.. تحث القلوب الموجوعة على القبول والتسليم، وتبعث في نفس قارئها شعورا مؤقتا بالراحة.. لكن، هل فعلاً أن العبور سهل إلى هذه الدرجة؟

وهل الجميع يعبر الحياة بالطريقة ذاتها؟

من وجهة نظري، هذا الكلام منفصل تماماً عن الواقع.. وتنفيه أحوال الناس الذي نراهم في حياتنا كل يوم، ونلاحظ دون أدنى مجهود تفاوت مستوياتهم المعيشية.

صحيح أن الجميع يجتاز حياته في النهاية ولكن الطرق تختلف، ومقدار السعادة والمعاناة الذي يناله كل فرد منهم يتفاوت بشدة.

فهناك الطرق المعبدة المسيجة بالأشجار والورود، وهناك الأخرى الوعرة المليئة بالمطبات والحفر.. وأحوال العابرين أيضاً ليست واحدة.. فهناك المهندم، المحاط بكل وسائل الرفاهية في رحلته وهناك الأشعث الأغبر، الذي يقطع مشوار حياته سيراً على الأقدام.

في حادثة تايتنك الشهيرة كان الفقراء يزودون المحركات بالفحم في الأسفل، فيما كان الأغنياء يسمعون الموسيقى في الأعلى.. وعندما اصطدمت السفينة بجبل الجليد، أسرع الأغنياء – بحكم موقعهم في الأعلى - للقفز في قوارب النجاة قبل أن تزدحم بالنساء والأطفال.. في مشهد دراماتيكي يختصر قصة الحياة.