الاثنين - 15 أغسطس 2022
الاثنين - 15 أغسطس 2022

لا يغرّك الطير بصفّة الريش

عندما كانت فراشات من نور ونويّر تداعب العمر، كانت مداً من الأحلام والأمنيات المشروعة البريئة، ربتها وكبرت معها كضفائرها الجميلة، ها هي ذاتها تركن لصخرة الخيبة والاستسلام، في ظل شريك ارتضى أن يكون ظلاً في الظل!

لم تعرف أنه بالإمكان الغرق في جَزر حتى هذا العمق، وبأن بعض الأحلام ستبقى أحلاماً وغير مشروعة، وبأنّ التنازل الأول هو المفتاح لتنازلات قادمة، وعلى الرغم من أنها أنثى حالمة كفراشة بيضاء تنقلها خطواتها الرشيقة، كانت لا تعرف إلاّ أن تسمي الأشياء بمسمياتها، لا تحب المراوغة في التحاور ولا تجيد فن التلاعب بالألفاظ، دون أن تفقد دبلوماسيتها وحكمتها وصبرها الجميل.

بدت شاردة الذهن ذلك اليوم، تناولت الورقة من محفظتها وبدأت تسجل ملاحظاتها، كانت قائمة مهام، هكذا بدت لي وأنا أجلس على مقربة منها، بعد حذف وتعديل وإضافة، تنهدت وأطلقت زفراتها المتقطعة، وهمهمت بكلمات لم يستقر في أذني منها سوى هاتين الكلمتين: «طار الراتب»!


ثم أطرقت في صمتها وشرودها وكأنها تحاول خلال الثواني تلك البحث عن مخرج، أو استذكار بعض مما سقط سهواً من ورقتها، فأدركت من خلال مشاهداتها اليومية بأنها ليست الوحيدة التي تفعل ذلك، فكان ذلك هو عزائها وسرّ جَلدِها الذي تواسي به نفسها عندما تضيق بها الحياة وتدور حول نفسها كالطير المذبوح.


لأنها تعلم بأن تذمرها أومحاولات تملّصها من مسؤولياتها ليس حلاً أو أنها على الأرجح بلا جدوى، لأنها العارفة بأن هنالك رجالاً مازال يلتبس عليهم فهم معنى الذكورة كصفة بيولوجية يشترك فيها معهم حتى النبيل وغير النبيل من الحيوانات بل تتفوق بها عليهم وبلا منشطات، وما بين صفة الرجولة بمعناها المطلق والتي لا تستقيم ولا تتطابق إلا مع الرفيع من المواصفات والخُلق والتي دائماً ما تكون مدعاة للفخر والتباهي عند الرجال الحقيقيين، الذين تقاس قاماتهم بأفعالهم ومروءتهم وبمواقفهم النبيلة.

لذا سيبقى في نظرها الرجل الذي تمنته يوماً أسطورة أوأحجية قرأتها ذات يوم في كتاب قديم .. وقفزت من مكانها بعد أن أدركها الوقت لتسرع في اصطحاب أولادها من المدرسة، إضافة إلى الكثير من المهام المدرجة على قائمتها اليومية، سألتُها وهي على عجل: «أبو (...) الله يسلمه شو يسوّي»؟!، أجابتني وهي مسرعة: «يا بنتي لا يغرّك الطير بصْفة الريش»!.

حقيقة: «المرأة لا تُزهر في عمر معيّن ولكنها تُزهر مع رجل معيّن!». (أنجلينا جولي)