الثلاثاء - 02 يونيو 2020
الثلاثاء - 02 يونيو 2020

عبدالله الأنصاري.. أول مكتبة بشرية متنقلة في فرجان الإمارات

«كتابيه»، «عبود كتابيه»، «عبود بالكتب» ألقاب عدة لشخصية واحدة هي بائع الكتب الإماراتي الراحل عبدالله الأنصاري، أحد الشخصيات التي لعبت بمهنتها التي يمكن أن يراها البعض بسيطة، دوراً مهماً في توصيل خير جليس للموظفين والمراجعين بالدوائر الحكومية في كل أنحاء الدولة.

امتلك الأنصاري شخصية طريفة وبسيطة، كما أن له شكلاً مميزاً بجلبابه فضفاض الجيوب الممتلئ بالخردة والكتيبات الصغيرة، حاملاً على كتفه لوحاً خشبياً عليه مجموعات من الكتب التي جلبها من بلاد العراق والشام ومصر والهند.

وصفه أبناء الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات من الإماراتيين بأنه أول مكتبة متنقلة عرفتها الإمارات، يجوب صباحاً ومساء هنا وهناك ليصل لعشاق الكلمة المقروءة والمطبوعة.

أجمع مثقفو الإمارات على أنه نجح في أن يتحول بشخصيته البسيطة المتسامحة الواعية، لظاهرة ثقافية لافتة يستحق اليوم الوقوف للاحتفاء بها وبدورها في توصيل الثقافة والمعرفة لعشاقها، مناشدين بضرورة أن يطلق اسمه على واحدة من المكتبات بدبي لترسيخ اسمه وحفره في عقول الأجيال الجديدة.

«الرؤية» تسلط الضوء على مسيرة عبدالله الأنصاري ورحلته في الحياة الثقافية ومخالطته لأهل الأدب والثقافة بالإمارات، متطرقة لعبدالله الوالد والجد الذي غرس عشق الكتاب في نفوس أبنائه وأحفاده.

جواز سفر عبد الله الأنصاري



بحر الثقافة

وعن الأب عبدالله الأنصاري، قالت ابنته مريم الأنصاري: كان والدي يعتز بمهنته ويفتخر بها، حيث كان يشعر بالامتنان عندما يعرف نفسه بعبدالله بائع الكتب، وكتبها في جواز سفره ليكون هو الأول وقد يكو ن الوحيد بالدولة الذي تحمل خانة الوظيفة هذا اللقب.

وتتابع: تميز بثقافته الواسعة، رغم أنه لم يطرق يوماً أبواب المدرسة، ولكن كانت القراءة والاطلاع هي مدرسته الحقيقية التي أضاءت فكره وزادت حكمته منذ أن كان طفلاً صغيراً لا يتجاوز عقده الأول.

وأشارت إلى أنه بدأ رحلته مع خير جليس في عمر الثامنة، وكان كتاب حصن المسلم أول كتاب يشتريه من ماله، ثم وجد نفسه في هذا العالم فتحول منزله إلى مكتبه كبيرة تضم الآلاف من الكتب التي جلبها من بلاد العراق والشام والهند ومصر.

ولفتت إلى أن عبودي كان لا يبيع الكتاب إلا بعد أن يكون حفظ ما ورد به وفهم رسالته، ومن ثم يتفنن في سرد تفاصيله لأبنائه وأحفاده وأبناء الحي، غارساً في كل الأجيال حوله حب القراءة ودورها في تنوير العقول.

وأضافت مريم أنه رغم أن عبودي فقد والده في السابعة من عمره إلا أنه كان متسامحاً مع الحياة متمسكاً بالأمل يؤمن بحكم القدر، وبدأ مهنته بائعاً متجولاً للكتب وهو في سن صغيرة، يفترش مساحة في منطقة السبخة بوسط السوق بديرة قرب بيتي عبدالله بوالشالات وعبدالله المريد يقصده القراء والمثقفون الباحثون عن كتب السير الذاتية والتاريخية والسنة النبوية من كافة أنحاء الدولة.

واستطردت: أما في الفترة المسائية فيعمد إلى كنس وتنظيف تلك المساحة ورش محيطها بالمياه التي يحضرها من بئر مجاورة، ومن ثم يرش المنطقة تحرزاً من تطاير الغبار والتراب على بضاعته التي يعرضها على حصيرة مستطيلة.

وأشارت مريم إلى أنه «خلال جلسته المسائية للبيع يطالع كل الكتب ويقرأ ويتبحر فيها حيث كان يمتلك ملكة حفظ كل كلمة ولا ينساها، مما أكسبه قدراً من الثقافة الدينية والمعارف البسيطة ما جعله حكيماً قادراً على التعامل مع الحياة التي يعيشها متقبلاً مرها قبل حلوها بصدر رحب».

عبدالله الأنصاري في مرحلة الشباب.



التسلح بالمعرفة

اعتبرت مريم والدها المعلم الأول لها ولأشقائها الثلاثة، حيث حرص على تعليق قلوبهم بكتاب الله وسنن رسول الله، وكان دوماً ما يحثهم على العلم والقراءة والتسلح بالمعرفة، فالكتاب كان ضيفاً دائماً في بيتهم به يتنافس أشقاؤها على قراءته ومناقشة تفاصيله مع الوالد، فتعلم الأبناء الأربعة من الكتب كيفية التعامل مع الآخر والتسامح وتقبل النقد والاستفادة منه.

وأضافت مريم أن «عبود كتابيه كان قارئاً يجادل الفقهاء والمطاوعة في أمور الدين مخطئاً هذا ومصوباً هذا، وكان له زبائنه الذين يأتون إليه من عمان يشترون منه كتباً فقهية بعينها».



من ذكريات عبدالله الأنصاري



مسابقات ثقافية

ومن الابنة إلى الحفيدة، قالت صفية المرزوقي الحفيدة الأولى للأنصاري إنها كانت أول الأحفاد، وأول فرحته لذلك أطلق عليها اسم صفية تيمناً بالملكة صفية، حيث كان لها نصيب الأسد من الدلال والمحبة، وخاصة أن والدتها كانت الأقرب لجدها عبدالله، فكان تركيزه عليها وباقي أحفاده كبيراً من حيث تعليمهم وتوجيههم للمعرفة والعناية بتثقيفهم، وبنائهم معرفياً وتلقينهم التعاليم الإسلامية وغرس بداخلهم الوطنية ومحبة الآخر.

وأشارت إلى أن عبودي دأب على عقد مسابقات ثقافية يومية بينهم ليحفزهم على المطالعة، وكان يكافئهم بمبالغ ماليه تصل لـ5 دراهم، وكان هذا المبلغ في الثمانينيات كبيراً جداً على طفل ولكن كان غرضه الوحيد تحفيزهم وغرس شغف القراءة بداخلهم.

وأشارت المرزوقي إلى أن «جدها حرص على تعليم أحفاده العادات والتقاليد بشكل عملي، فتتذكر موقفه عندما كانت في الخامسة من عمرها وارتدت فستاناً قصيراً فعاتب جدتها عتاباً شديد اللهجة، وكان ذلك بمثابة أول درس لها في قواعد الحشمة التي يجب أن تتمسك بها الفتاة، كما كان يعلمهم احترام الكبير والآخر، مرسخاً بداخل كل حفيد منهم أن كلام أبويهما دستورهم في الحياة بعد كتاب الله».



بلال البدور



سابق عصره

وصف رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي الكاتب الكبير بلال البدور، الأنصاري بأول موزع للكتب بالمفهوم العصري، ففي الصباح وحيث أغلب الناس في مقرات أعمالهم، يضع مجموعة مختارة من الكتب على قطعة من الخشب ويحملها على كفه مقارباً بها كتفه، يمر بها على الدوائر المحلية ليبيع للمسؤولين والموظفين ما يحتاجونه منها، وينتقل بين تلك المؤسسات سائراً على قدميه أو مستعملاً سيارات الأجرة والعبرة بين شطري المدينة.

وأشار إلى أن حبه لعمله جعله ينتقل بين كل إمارات الدولة، وكانت عناوين الكتب محصورة في كتب التفاسير والسيرة النبوية والتهذيب والتراجم والغزوات والحديث الشريف، إلى جانب كتب الطرائف التي حصل على أغلبها بشرائها من مصر، العراق، الهند، باكستان من خلال توصية المسافرين.

وذكر البدور أن أكثر ما كان يميز عبود كتابيه خفة ظله وقدرته جذب من أمامه لحديثه بعفويته وحكمته وابتسامته التي لا تفارق وجهه، كما أن شخصيته الأشبه بالكاريكاتيرية حيث الجلباب ذي الجيوب الكبيرة التي أحياناً ما كان يضع بها المشاوا وهي عبارة عن نوع من الأسماك يضاف له الماء وبعض التوابل وتوضع في زجاجات الفيمتو وتؤكل مع الخبز، معلقاً: إذا لم نستطع بيع غذاء الروح نسترزق من غذاء الجسد.



ريم الكمالي



تكريم مستحق

طالبت الكاتبة الإماراتية ريم الكمالي أن يطلق اسمه ولقبه الذي اشتهر به على اسم مكتبة من المكتبات، متمنية أن تشهد الفترة المقبلة مكتبة عبدالله الأنصاري ليرسخ اسمه وتتعرف الأجيال الجديدة على تلك الشخصية الملفتة، وعدم الاكتفاء بتكريم اسمه في مهرجان عابر لا يعود إليه من جديد.

واحتفت الكمالي بهذه الشخصية الملفتة، وذلك من خلال تغريدة ضمنتها صفات الأنصاري وبعض مواقفه.

وكتبت الكمالي أنه «كان يبيع ويشتري بضاعته كأي بائع يبحث عن رزقه، لكنه اختلف عن بقية الباعة ببيعه مادة ثقافية فكرية، ولعل نباهته جعلته ينتبه بأن الكتب هي البضاعة التي يفتقر إليها البعض ويحتاجها، ليتنقل بمجموعته من العناوين المنتقاة، مفترشاً بها حصيراً في سوق السبخة، أو يقوم بجولته بين الموظفين صباحاً في الهيئات والدوائر ليمنحهم عناوين طالبوه بها».

وتعتقد أنه «بائع متجول أخذ على عاتقه مسؤولية بيعه علوماً وآداباً للمعرفيين من أفراد المجتمع، وهذا بحد ذاته قصة نثرية تنسل إلى وجدان القرّاء والمثقفين».

#بلا_حدود