الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

طيف إسطنبول.. دراما تبحث التصالح مع التناقضات التركية

«بير باشكادير» بالتركية، أو «طيف إسطنبول» بالعربية أو Ethos بالإنجليزية، هي العناوين المختلفة للمسلسل التركي الذي بدأ عرضه حديثاً على شبكة «نتفليكس»، محققاً شعبية ملحوظة تعود إلى عدة عوامل، أهمها المستوى الفني العالي الذي صنع به المسلسل، وموضوعه «الواقعي» الذي يتناول أخطر مشكلة تواجه المجتمع التركي حالياً، واختلافه الواضح عن مسلسلات «أوبرا الصابون» التركية التي تقدم عالماً افتراضياً مصطنعاً، تغلب عليه المبالغات الميلودرامية الفجة.



No Image Info



المسلسل الذي كتبه وأخرجه بيركون أويا، يتكون من 8 حلقات فقط، تتناول حياة بعض الشخصيات من بيئات وطبقات مختلفة جمعتهم، وتفرقهم، إسطنبول، تلك المدينة التي تمزقها التناقضات الحادة، والتي يبذل المسلسل جهداً هائلاً لعقد التصالحات بينها.

المسلسل مبني على نموذج الأعمال التي تجمع عدداً كبيراً من الشخصيات التي تتقاطع مصائرها بطريقة أو أخرى، مثل الفيلمين الأمريكيين «ماجنوليا» للمخرج بول توماس أندرسون، 1999، و«تصادم» إخراج بول هاجيز، 2004، وإلى حد ما فيلم «البيات الشتوي» للمخرج التركي نوري بيلج سيلان، 2014. في هذه الأعمال تكون هناك غالباً فكرة أو إحساس واحد تتمحور حوله كل القصص. الشعور بالوحدة في «ماجنوليا»، العنصرية في «تصادم»، والأسرار العائلية النائمة في «البيات الشتوي». والأمر نفسه نجده هنا، حيث تتناول معظم القصص فكرة التناقض الذي يعاني منه الأفراد والعائلات والمجتمع التركي نفسه، وتعاني منه بشكل أكبر وأعمق المرأة التركية، ويتجسد ذلك في قصص عدد من النساء.



طيف إسطنبول2



أبرز هذه الشخصيات هي «مريم»، الفتاة المحجبة الجميلة القادمة من الريف مع أخيها وزوجته وطفليه، والتي تعاني نوبات إغماء ليس لها سبب عضوي، ما يجعل الأطباء ينصحونها بالتردد على طبيبة نفسية. في البداية لا تشعر «مريم» بالراحة تجاه الطبيبة «بيري»، والطبيبة نفسها لا ترتاح إليها، لإنها لا تحب المحجبات.

و«بيري» نفسها تتردد على طبيبة نفسية أخرى للعلاج من عدم قدرتها على التسامح أو ترك نفسها لمشاعرها، وهذه الطبيبة الأخرى من أصل كردي، وهي علمانية متحررة، بينما أختها محجبة محافظة تكره العلمانيين، ولـ«بيري» صديقة أخرى تعمل ممثلة في المسلسلات التركية التافهة، وهي تعلم أنها تافهة وأن الجمهور يزداد إقبالاً على الأعمال الرديئة.

كما أن لدى «مريم» أخاً محافظاً وقاسياً من الخارج، وزوجة أخ تعاني من مشاكل نفسية غامضة وتحاول الانتحار أكثر من مرة. وبجوارهم يسكن شيخ يترددون عليه، لديه ابنة فرض عليها الحجاب، ولكن أفكارها ومشاعرها في مكان آخر تماماً، ويشير المسلسل من بعيد إلى مثليتها الجنسية. وهذه الشخصيات وغيرها تبدو بعيدة عن بعضها تماماً، ولكن بمرور الأحداث يتبين أنهم قريبون جداً، وأن المدينة الواحدة التي تجمعهم أصغر مما يتصورون.



ethos1



يحمل المسلسل 3 عناوين. العنوان العربي «طيف إسطنبول» لا يعبر عن شيء من مضمون العمل، والعنوان الإنجليزي Ethos يحتاج إلى بعض التوضيح. الكلمة يونانية الأصل استخدمها الفلاسفة الإغريق للتعبير عن معنى «الأخلاق» في الفلسفة، وهي تعني مجموع القيم والأخلاقيات والعادات التي تشكل ثقافة شعب ما.

يكتب الشاعر الإنجليزي تي إس اليوت في 1940: «إن أخلاق شعب ما هي التي تحدد الطريقة التي يتعامل بها حكامه مع هذا الشعب»، وبمعنى ما ينطبق ذلك على المسلسل، فرغم أنه لا يتعرض للسياسة بشكل مباشر، ولكن من خلال بعض الجمل العابرة والمسار العام للأحداث والشخصيات، فإن الرسالة هنا هي «أن هذه التناقضات التي يجب أن نتصالح ونتعايش معها باعتبارها جزءاً أساسياً من هويتنا تستغلها قيادة تركيا للإيقاع بيننا، وهو ما نراه في بداية العمل من تصادمات وأزمات نفسية تعاني منها الشخصيات».

ethos1



العنوان التركي «بير باشكادير» يعني حرفياً «أنها مختلفة»، ويشير إلى مقطع من أغنية تركية وطنية شهيرة بعنوان «بلدي»، يقول أحد أبياتها «بلدي.. أنها مختلفة». والاختلافات التي نراها بين الشخصيات وداخل كل شخصية على حدة إنما تشير إلى هذا التنوع والتعدد الذي يمكن أن يثير الفرقة، ويمكن أيضاً أن يكون مصدر قوة وتميز.

يتميز المسلسل بفريق ممثلات وممثلين رائع، وتبدو موهبة المخرج كبيرة في إدارة هؤلاء الممثلين، ورغم أن العمل يمتلئ بالحوارات، لكن لغته تكاد تكون سينمائية شاعرية، والمشاهد الصامتة فيه، سواء للشخصيات أو للطبيعة ساحرة ولا تقل تأثيراً عن المشاهد الحوارية.

#بلا_حدود